[mark=#3366CC]د . عبدالله الطابور في "ثقب الصخرة": دهشة واقعية الرمز [/mark]







استطاعت القصة الإماراتية، أن تحقق إنجازات حقيقية، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وذلك لبروز أسماء كثيرة، باتت تحفر لتثري المشهد الإبداعي، بعطاءاتها المتواصلة، في هذا المجال، وهوما أدى إلى بلورة مفهوم هذا الجنس الأدبي، وتطوره، على نحوتدريجي، ليكون مواكباً للخط البياني القصصي، خليجياً، وعربياً، وهذه نقطة تسجل له بحق، ولاسيما في ما يخص العلاقة مع عدد من خيوط وملامح فضائها الواقعي .

تتجسد خصوصية القص الإماراتي، من خلال ثيمة انشغالها على المكان، وتناول أسئلته، لاسيما، وأننا، هنا، إزاء تداخل البيئتين الصحراوية والبحرية، على نحولافت، وهما وحدهما عالمان ثران، يستطيعان شحذ روح المبدع، ومدّ مخيلته، بما يثيرها، تبعاً لاتساع عالم الصحراء، مترامي الأطراف، وغناه، وعملقة عالم البحر، وتلاطم أمواجه، ناهيك عن أن لكل منهما هيبته، وأسراره المستفزة، والملهمة للمبدع الأصيل .

إذاكان الكاتب الإماراتي، قد تناول بعض مفردات المكان، فإنه في المقابل، تناول مسائل أخرى، لا تقل أهمية عمايستفزه، أمام هذه الثنائية، التي تظل معيناً لا ينضب . ولعل في معرفة أن العقود الأربعة الماضية، من الشريط الزماني، من عمردولة الإمارات، قد شهدت تحولات جذرية هائلة، على الصعد كافة، حيث إنها تحولت - بسرعة مذهلة - إلى مجتمع مديني، وذلك بعد الطفرة النفطية العظمى، مايكفي للدلالة على أن ذلك كله أثر في وعي إنسان هذا المكان، الذي لاتزال مخيلة أبنائه ممن عاشوا هاتين المرحلتين، تنوس بين مديين مفتوحين، متناقضين، لاسيما وأن هذه النقلة الجديدة، تؤثر في الوعي، وقراءة أسئلة الحاضر .

د . عبدالله علي الطابور، أحد قصاصي الإمارات الذين، يعتمدون في ما ينتجونه ضمن مضمار القص- الواقع فضاء مفتوحاً، لابد من النهل منه، وذلك في محاولة لرصد انعكاسات التحولات المختلفة، على سايكولوجيا ابن المكان، ليس من قبيل التوثيق، بل من قبيل الإخلاص للواقع، حتى وإن تم ذلك، عبرأدوات فنية، غير واقعية، لاسيما إذا وضعنا - في البال - مسألة مهمة، وهي أن القصة القصيرة - في الأصل - كتابة غيرواقعية، حتى ولوكانت تنضح بتفاصيل الواقع من حولها، مادام أن القصة القصيرة، في أحد تعريفاتها “كذبة متفق عليها بين الكاتب والمتلقي” . ومن هنا، تحديداً، يأتي الدور الكبيرللمبدع، لكي يخلق عالماً فنياً موازياً للواقع، عبرخلق يدعوإلى الدهشة، والمتعة، بأدوات خاصة، من عدادها اللغة، وغيرها، من المفردات اللازمة لصناعة نص قصصي، يمتلك شرطه الإبداعي، وغوايته .

تأتي مجموعة الطابور القصصية، والمعنونة ب “ثقب الصخرة” وتضم 11 قصة قصيرة هي: “لعبة الجنون”، “ثقب الصخرة”، “بو الخطيف”، “الرأس المخطوف”، “ولد الخباز”، “عاقصة بنت الملك”، “جريمة في آخر الليل”، “أم دانيال”، “مدينة الفئران”، “الصرطة”، “انكسر المنيور يا سعيد”، وتمتد على شريط لغوي من 100 صفحة من القطع الوسط، وقد صدرت عن دار الصير للنشر والتوزيع، في رأس الخيمة، ومن دون أية إشارة إلى تاريخ الإصدار، بل وإنه لا إشارة إلى تاريخ كتابة أية قصة من قصص المجموعة، على حدة، ولعل للكاتب رؤيته الخاصة، في العلاقة مع زمن الكتابة، وهو أمر عائد إليه .

وفي قراءة دقيقة، لإحدى قصص المجموعة، وهي قصة “لعبة الجنون” التي افتتح بها القاص مجموعته، ووضع في مقدمة القصة مقطعاً مثيراً، مستلاً منها، على غرار بعض كتاب القصة، في عقدي الخمسينيات، أو الستينيات، وربما في ما بعد أيضاً، “أرجل قادمة من خلف المخزن . . لم يولها جاسم اهتمامه، ظل يتسامر مع العقرب التي اقتربت منه . . إنها عقرب سامة إذا ما لدغته سيموت في الحال لأنه جسم بلا لحم . . .”، ثم ينتقل الكاتب بنا إلى أجواء قصته، مثيرة العنوان “لعبة الجنون” حيث يتحدث عن شخص اسمه جاسم، غاب عن بيته منذ فترة زمنية، وترافق ذلك مع ظهورسفاح في المدينة، يجهز على ضحاياه، وقد ترك على أرض المكان كتابة بدم طفلة صغيرة، قتلها، بلغة غير مفهومة، ما زرع الهلع والخوف في قلوب الناس . حيث يتوازى خط تناول القاص لهذه الجريمة التي تبدوعقدة الحدث، مع الخط الثاني، المتجسد في متابعة أحوال جاسم، الغائب عن البيت، واللائذ بأحد الأماكن المهجورة المليئة بالعقارب وغيرها من الحشرات المخيفة، والمنفرة، يضع القاص هذه الشخصية تحت المجهر ويقول، في بداية قصته عنه “منذ أشهر لم يذق طعم النوم . كان يردد كلمات غامضة، ويترنم بصوت يشبه الهلوسات . لا أدري ما الذي أصابه . لم أعد أراه كما كان منذ زمن، إنسان يهوى تسلق الجبال الشاهقة والسباحة في مياه البحرعند كاسرالأمواج” . “لمحته في أحد الأيام واقفاً بالقرب من مخزن قديم تكسرت أركانه وسقط على الأرض ولم يبق منه إلا الفتات، ما الذي يفعله هنا، لا أدري، كانت ملابسه مهترئة وشكله كالعجوز الهاربة من الكلاب المسعورة التي تنبح في كل وقت . قال وهويهمس بصوت خفي: “أنا وراكم والزمن طويل . .” .

يلجأ القاص للحديث عن عقرب، في المستودع المهجور الذي لاذ به، ليشم القارىء رائحة عفونة المستودع، في إطار تقديمه تفاصيل المكان، بشكل مقبول، وهوما يجهد للحفاظ عليه، ليخفف من وطأة السرد، وإن راح يتوسل الوصف، لخدمة عنصر المكان، وحركة القص، وتحولاته، بما ينم عن مهارة واضحة لديه . بيد أن هذه العقرب التي تهجم على الراوي، تحول إلى رمز، لاسيما عندما تتملص من محاولات قتلها، بل تمنع الجند الباحثين عن مجرم المدينة عندما يحاولون الإمساك بالمجنون جاسم، بعد أن انتشر الهلع والخوف في قلوب سكان هذه المدينة جميعهم” ظلوا عدة أيام في حالة استنفار فلم يفعلوا شيئاً، خارت قواهم من البحث، من الذي يثير الرعب في نفوس الأطفال والنساء، حاولوا ثانية وثالثة فلم يعثروا على السفاح . كان غضب المدينة يزداد يوماً بعد يوم على قائد الشرطة الذي لم يسلم من كلام الناس وتجريحهم له “إلى أن يفر” بل إن صوتاً سمعه أحدهم وهوسعيد يقول من قتل المدينة، في اللحظة نفسها التي يظهرابن أخيه، وهو ينادي عمن رأى عمه المتواري، وذلك بالطريقة ذاتها التي يتم النداء بحثاً عن البهائم السائبة، في مرحلة ما قبل اكتشاف النفط في البلد، كما يبين القاص في متن النص نفسه، إلا أن المجنون يظهروقدلاذ بالفرارإلى رمال البحر، بينما تظهر عجوز شمطاء تنادي “أنت يا هذا دع ابني وشأنه، وهي تهز بعصاها تريد أن تضربه بها على رأسه لكنه تفادى حركة العصا . . قالت: أنتم دفعتموه إلى الجنون . .” إلا أن هروب المجنون من بين أيدي الجند، يؤدي إلى اتهامه، على مستوى المدينة، بأنه المجرم نفسه، ليتم القبض عليه،أخيراً، من قبلهم، مكرراً عبارته: “أنا وراكم والزمن طويل . .”، مردفاً إياها بقوله: أنا لم أقتل نملة ولا دابة، فقد زهق عقلي والسبب خوفكم، ماذا تريدون مني، دعوني أعيش مع كائنات وديعة لا تعرف الكيد والجبن، دعوني أموت في حياتي الخاصة، وأنتم تعيشون في موتكم الأبدي، ويقفل القاص نصه بالعبارة التالية “أفاق الجميع من موتهم بعد أن تأكدوا أن المجنون عاقل، والحياة ماهي إلا لعبة جنون . .” .

تعتمد القصة على الرمز، في سياق كتابة تقدم نفسها، على أنها واقعية، ضمن زمان محدد، كي تثيرأسئلتها، على طريقتها الخاصة، من خلال عمل لا يخلو من الدهشة والحرفية اللازمتين، بل والحرص على جذب القارئ، وبلغة مقبولة، بعيدة عن الفنتزة، وبأساليب بعيدة عن اجتهادات القاص الحداثي، أو مابعد الحداثي، كما أن علاقة القاص بعلامات الترقيم، تبدو في حدود الالتزام بنقطتي القول، وبعض إشارات الاستفهام والتعجب، بيد أن النقطة، أو النقاط المتجاورة تحل بديلاً عن الفاصلة التي تكاد لا تظهرإلا مرة واحدة، أوالفاصلة المنقوطة التي تغيب تماماً، بالرغم من وجود دواعي استخدامها، لاسيما في ظل حالة الدفق الهائل الذي يظهرهنا وهناك . كما ويلجاً القاص إلى استخدام اللغة المحكية، سواء أكان ذلك على لسان المجنون أوابن أخيه، ويضطرلشرح ما يردده هذا الأخير باحثاً عن عمه، وذلك في نهاية القصة، كهامش، أوشرح، أوغيرذلك .

وإذا كانت القصة، تستطيع مد جسورها، مع المتلقي، فإن ذلك، يعود إلى أن جملة مقومات، قد توافرت لهذه القصة - كأنموذج من قصص المجموعة - وذلك، على صعيد اللغة، أوالخيال، أوالعقدة، أو البناء، حيث تفاعلت جميعها، في مختبرالقاص، كي يستفز المتلقي، أثناء قراءة القصة، كي نكون أمام شخصيات من لحم ودم، كما هوحال “بطل القصة”، الذي يبدو، وكأنه شخصية نعرفها، وهونفسه ما يقال عن “العقرب” التي تظهر، وتبدو وكأنها تخرج من خطوط القصة، تهدد المتلقي نفسه:

في هذه اللحظة تحركت العقرب فرأيتها قادمة نحوي كانت حركتها سريعة .

لم أتأخرفقد هربت، وظل جاسم في مكانه لم يتحرك قيد أنملة، كان فقط ينظر إلى شكلي .

قال وهو يجلس ببطء على الأرض ونظراته نحو العقرب: أنت وحدك تفهمين القضية أما هؤلاء . . لم يكمل حديثه .

أرجل قادمة من خلف المخزن، لم يولها جاسم اهتمامه، ظل يتسامر مع العقرب التي اقتربت منه، إنها عقرب سامة إذا مالدغته سيموت في الحال لأنه جسم بلا لحم، الموت سيسري فيه في ثوان معدودات ما الذي جعله هكذا لا يتحرك أو يفلت بنفسه من الخطر القادم إليه من هذا المخزن المندثر .

وأخيراً، فإن القراءة المتأنية، لهذه القصة، وهي مجرد أنموذج مستل من مجموعة قصصية كاملة، تدل على أننا أمام أنموذج يقدم مسوغاته الفنية، وجمالياته، بما يمكن أن يجعله من تلك النماذج التي تترك صدمتها، في متلقيها، كي يتفاعل مع فضاء النص، وهذه سمة النص القصصي الإبداعي .

ولابد من الإشارة، في هذا المقام، إلى أن في تناول بقية القصص التي ضمتها دفتا المجموعة، عبرقراءات متأنية، دقيقة، ما سيعطي صورة متكاملة، عن عالم المجموعة القصصية التي تضمنتها، وفي التالي، إعطاء صورة أقرب إلى روح القاص، وهذا ما نتركه، للدارس المتخصص، وذلك لأن مجموعة الطابور، تستحق القراءة النقدية المتعمقة، حقاً، وذلك، لما تضمه من قصص جديرة بالقراءة .