سفر إلى يثرب
ولنعد إلى (آمنة) وهي تحتضن وليدها اليتيم.. بعد أن عاد إليها مكملا أعوامه الست ..
فرحة به وهو يعيش في البلد الحرام .. حيث مجد آبائه العريق .. والبيت العتيق ..
عاد الصبي .. فبدد بنوره ظلال الكآبة التي كانت تغشى دنيا أمه ..
في وحدتها وترملها الباكر ..
ونحسبها لم تكف تحدثه عن والده الغائب ..
ووصف شمائله .. ورواية قصة فدائه .. وما كان معقودا من آمال كبار ..
وقد بذلت الأم لولدها في تلك الفترة .. غاية ما يرجى من عناية ورعاية ..
فهو وحيدها ومناط املها .. ومعقد رجائها ..
فكان (محمد) .. مع أمه (آمنة بنت وهب) ..
في كلاءة الله وحفظه .. ينبته الله نباتا حسنا ..
وأثمرت العناية ثمرتها ..
فبدت على (محمد) بوادر النضج المبكر ..
ورأت فيه أمه عندما بلغ السادسة من العمر ..
مخايل الرجل العظيم ... الذي طالما تمثلته ..
ووُعدت به في رؤاها ..
وبعد فترة .. أدركت الأم الحنون ..
أن هنالك واجبا مفروضا .. عليها أن تؤديه ..
فحدثت ابنها (محمد) .. على قبر أبيه .. الحبيب الثاوي في يثرب ...
وهش الابن لفكرة السفر
وسره أن يصحب أمه في زيارتها لمثوى فقيدهما ..
وان يتعرف في الوقت نفسه .. إلى أخوال أبيه المقيمين بيثرب ..
وكانوا ذوي شرف هناك .. وجاه عريق ..
وكان من هؤلاء الأخوال .. (أبي وهب بن عمرو) ..
خال جده (عبد المطلب) ...
فهو من تصدى لقريش حين أجمعت على تجديد بناء الكعبة ..
فقال لهم ..
"يا معشر قريش ...
لاتدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا
لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس"
وكان الجو صيفا ..
والشمس تلهب صخور مكة وتصهر رمالها ..
وحين بدأت (آمنة) تتهيأ لرحلة طويلة شاقة
تجتاز بها الأميال المائتين التي تفصلها عن يثرب ..
حيث يرقد في ثراها (عبد الله) .. الذي ودعها من نحو سبع سنين ...
ولم تكن (آمنة) تجهل مشقة السفر .. عبر الصحراء القاحلة ..
ولم يغب عنها ما يتكبده المضاربون في أحشاء البيداء ..
بسهولها الموحشة وقفرها المرهوب ..
لكن شوقها إلى زيارة يثرب .. كان اقوى من أن تغلبه عقبات سفر ..
ولقد شُغلت (آمنة) بتجهيز راحلتها وإعداد مئونة الطريق ..
ثم زودت ناقتها بهودج من أغصان مجدولة ..
ذي مظلة مرفوعة تحجب الشمس عن الابن العزيز ..
وأقامت بعد ذلك تنتظر أول قافلة تخرج من مكة نحو الشمال ..
في رحلة الصيف الموسمية ..
فلما أذن المؤذن بالرحيل .. ضمت إليها ولدها ..
تصحبهما الجارية الوفية .. (بركة أم أيمن)..
وألقت (آمنة) نظرة وداع على دار عرسها .. التي جمعتها بـ (عبد الله)..
ووضعت فيها من بعده ولدهما الوحيد ..
ثم عرجت على الحرم فطافت به داعية ..
وانفلتت من بعد ذلك نحو الشمال .. حيث كانت القافلة تتهيأ للتحرك ..
وقد علا رغاء الإبل مختلطا بضجيج المسافرين ودعاء المودعين ..
وتحركت القافلة ..
وبعد فترة من السفر ..
تراءت لها (يثرب) أشبه بواحة خضراء ..
وشارفت الرحلة منتهاها ..
فجمعت (آمنة) نفسها واقبلت على ولدها تحدثه من جديد عن أبيه..
ثم تغريه بأن يتطلع معها إلى المدينة البيضاء ..
التي بدأت تتكشف من وراء جبل أحد ..
ثم أناخ الركب رواحله في (يثرب) .. وأستأنف مسيره شمالا..
بعد أن ترك (آمنة) وولدها وجاريتها في حِمى (بني النجار)...
وأخذت (آمنة) ولدها (محمد) ... بعد أن انتهى وقت الراحة ..
ليزورا قبر (عبد الله) ..
ثم تركت (محمدا) يلعب ويمرح مع أولاد الخال ..
ويتعلم السباحة معهم في مجامع المياه ..
وبقيت هي على قبر الحبيب .. تناجيه حينا وتبكيه أحيانا ..
وهي على الحالين راضية مستروحة ..
تجد من الأنس بقرب الفقيد ما يريح شجونها ..
وطاب لهما العيش شهرا كاملا ..
نفّست فيه عن حزنها المكبوت ..
وأسعفت عيناها بما شاءت من دمع ..
وتمتع ولدها بالجو اللطيف .. بصحبة رفاقه الصبيان ..
ولايدري أحد ..
كيف أمضت (آمنة) ليلتها الأخيرة .. قبل أن تشد رحالها عائدة إلى مكة ..
لكن لابد أنها انتزعت أنفسها قسرا من ذلك الجو المعطر بالذكرى ..
وودعت مضيفيها شاكرة لهم حسن ترحابهم ..
ثم تكلّفت الصبر .. وودعتهم مجاملة ..
والناقة تمضي بها وبمن معها إلى مكة .. بلا حداء شجي ..
وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم





رد مع اقتباس