امرأة العقد الثاني من القرن 21

حبيب الصايغ

* دار الخليج





لكل متجمهر في أهبة استعداده وكأنه نيةُ عاصفةٍ استحضر دفتراً قديماً ضيعته مع سنين العمر، وكنت كتبت فيه قصائد وكتابات مبعثرة ونكات بريئة لامرأة العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين . أكثر الظن أنه هذا العقد في هذا القرن، فهل يصلح ذلك الدفتر القديم للتعبير عني الآن؟ لترجمة مشاعري ومراراتي ورقصات ذبحي؟ لرسمي أو حتى تصويري وأنا أتقدم الحفلة الدهرية تحت يافطة مواكبة العصر؟ أي عصر بل أي نصر بل أي نصل؟ لا حد للأسئلة المغروسة في الظهر وكأنها الندم . لا حدود لأجوبتي الجاهزة التافهة، ولا ملاذ من الموج إلا بالموج، تعددت الأسباب، لكن الفرق بين الموت شنقاً أو غرقاً هو الماء . هو الماء بالضبط . سأفضل عندئذ الموت الأزرق شريطة جنازة زرقاء إلى قبر أزرق في مقبرة مسورة بمدى أزرق يبين ولا يكاد يبين . النعي في الجريدة في اليوم التالي بالأزرق . ولا يلومن أحد إلا نفسه لو خالف الوصية .

وفي الوصية أني لا أعتذر عن شيء . الاعتذار يا سيداتي سادتي محاولة تواضع بائسة يائسة وهيهات .

سوف أمضي إليك يا امرأة العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين لا ألوي على شيء . انتظرتك طويلاً وتحملت الموت مراراً في طريقي إليك، وها جئتك مطوقاً بحزني القديم، وفرحي القديم، وبموتي الأزرق وهو يرفرف أقصى الرأس كالراية، وأقصى القلب كالسكتة، وأقصى العمر كالعشاء الأخير .

بالمناسبة، أنت مناسبة جداً، حيث فارق العمر أكذوبة، وحيث ما سمي بثورات الربيع العربي يقلق نومي، يفزعني، ويثير أعصابي، فما أحوجني إليك، وإلى تحققك في حياتي كل ثانية وكأنك النبض .

بل إنك الدورة الدموية كلها، وكل الداء والدواء . أنت صداعي المفضل هذه الأيام، وأنت حبة الصداع المفضلة . صدق زميلي أبونواس إذ يقول: “وداوني بالتي كانت هي الداء” . سأقول مثله، لكن عبر مكبر الصوت هذه المرة وكل فضائيات العالم مصطفة على شاطئ بحر بعيد في نقل حي ومباشر .

اكتشفت في هذه المرحلة الحاسمة من عمر أمتنا أن حبك سياسة واقتصاد وتربية وطنية . اكتشفت أنني، أننا يجب أن نقاوم الفساد الإداري بالحب، وارتفاع الأسعار بالحب، ونواجه الوساطة والمحسوبية بالحب، ونقاوم الجهل والمرض، ونقاوم التيارات الظلامية والتكفيرية، وكذلك الجماعات المتخلفة خصوصاً الإخوان المسلمين بالحب . الحب في مطلق اللفظ والمعنى والعبارة، وحبك أنت خصوصاً يا امرأة العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين .

وبالحب ننتصر على داء السكري وأمراض القلب والشرايين وضغط الدم، وعلى “إسرائيل” . بالحب نستعيد حريتنا وكرامتنا وفلسطين .

ويكفي تعباً يا سيدتي: البحر أدنى من حبل المشنقة، وقد ثبت علمياً أن كل سدود الدنيا، بما فيها سد النهضة الإثيوبي، لن تؤثر على منسوب المياه في البحار الثلاثة التالية: الخليج العربي، وبحر العرب، وبحر شوقي إليك من المهد إلى اللحد .