الشتاء، ذلك الكائن الذي يتساقط على الأرواح ببهجة الأيام وحلاوة المكان، يفتح أبواب أنفسنا على لحظات جميلة تغلف حياتنا بسعادة، باردة ولكنها دافئة بمشاعر فضفاضة، تحلق في سماء غنية بغيوم الخيال ومزن الجمال، تنثر علينا حميمية تجعل ضمائرنا أكثر وداً وتسامحاً، مع أنفسنا ومع من يعيش بيننا، ومن يقبع قي تجاويف القلب وتلافيف الروح، مشاعر رقيقة تحيط بنا وتجمل ذواتنا، تفرحنا وتذيبنا في جاذبية المطر والأيام ذات الغطاء القطني والرداء المخملي، نتدثر بها فنشعر بذلك الدفء الذي ينشر فينا السلام الداخلي والوئام العاطفي.

فصل الشتاء الذي قد يكون آخر فصول السنة الأربعة فيختمها بحب ودفئ يناجي النفوس ويناغي القلوب بأمل وتفاؤل، وقد يكون أول فصول السنة فيبدأها على وقع أجواء رائعة تحث البشر على صداقة الشجر والورد والزهر، وكل ما يجعل الحياة تزداد ألقاً وألفة، وجمالاً ورقة، يبهجها فرحاً وحبوراً، ننتظره دائماً بشغف يشعل قلوبنا ببرودة لحظاته، وكل أيامه الدافنة الذاكرة بندف الصوف الأبيض يحشيها بلطف وحنان؛ فالشتاء دائماً غني بالذكريات الدافئة التي تسعد النفس، وتفرح القلب، وتبهج الأعين بمناظر فواحة بعبير أمطاره وأجوائه المنعشة، ففي الشتاء يزداد كل ما حولنا بهاء وندية، وروعة ورونقاً، يُضفي على الحياة جمالاً أخاذاً يفرض على كل شيء محبة مميزة.

كل ما في الشتاء له ذائقة خاصة ومختلفة، فطقس الشتاء يسري في أجسادنا حتى يطهرها من رجس سخونة الضيق والضجر والغضب وكل ما يعكر صفو الروح ونقاءها، يمزج الأجساد ببرودة تجمد مكنونات الشرور التي تكمن في دواخل النفس البشرية التي تعطل حياتنا وتضمر عقولنا وتعيث الفساد بيننا، وعندما تتساقط أمطاره تنصهر تلك المتجمدات في الأنفس حتى تسيل خارج أجسادها، تغسلها بطهارة ماء المطر فتنقيها من شوائب تراكمت وتصاعدت على مدار فصول السنة الأخرى.

فالشتاء يلون حياتنا بألوان مرحة ترسم لوحات خلابة تزين كل ما يعترينا وما يحيط بنا، فتتكون تلك الخصوصية لهذا الفصل البديع، عندما تتلبد السماء بغيوم الحب فتتساقط حباته على الأرض تبيح للحب الأسطوري أن ينمو ويكبر، وتتفتح زهرته وتينع، حتى تشرق وتبهر وتلمع، فالقلوب تزداد دفئا في الشتاء وتتلاقى وتتجانس حتى تصير قلباً متحداً ينبض بروح ومصير واحد، عندها تكتسي الفيافي الشاسعة والواسعة بحلة العشب القشيب الأخضر، تبعث في النفس الحرص على اقتطاف تلك اللحظات والحفاظ عليها.

ومع كل هذا من قصة الشتاء السعيدة، قد يكون الشتاء للبعض وحشاً كاسراً يلتهم كل ما ينبض بالفرح والسعادة، مشرداً إياهم في العراء الخالي من أي مقومات للحياة الآمنة، تقض مضجعهم برودة الثلوج المتكدسة في أرواحهم المجمدة لمجرى حياتهم.

وفي الختام أرجومع كل شتاء أن تتدثر قلوبكم بالسلام والحب، وأمنيات شتوية بدوام الأمان على الجميع.


رابط المقالة على صحيفة الرؤية:
http://alroeya.ae/2014/01/17/120789