-
23 - 5 - 2014, 11:20 PM
#1
إنّه الحنين (شيخة الجابري)
إنّه الحنين
*جريدة الخليج
شيخة الجابري
"بسألج يا الكندورة/ مِنْ خاط و من دنَرَز/ قالت حِسين الصورة/ لي في الرايح برَز"، الكندورة، وزمان الحب، والوصل، والتراحم، وقهوة الضحى، ورمسه العِشا، والمنامة ويلسة لبنيّات، وتلك النسمات العليلة التي تعبر عند مرور خروفة تصوغها إحدى الجدات، أو قصيدة تتبارى في نسجها النساء، أيام عشقناها مضت وكأنها شيء من التاريخ عبر كرائحة مشتهاة للعناق، هي رائحة جداتنا وأمهاتنا، وتلك "البْقَشْ" التي تُخفى أسفل الشّبريّة، فيها الكثير مما يحلم به الصغار، ويحبه الكبار "بيضة البيت، باسكوت بوالحليب، حداله، أو همباه، جارينه أو بسره، قطعة ثوب رفرف" وكثير من المخزون الإنساني الذي يبعث فيك الانتشاء حينما يمر خاطفاً بذاكرة عبثت بها التكنولوجيا، والأيام، والانتظارات الطويلة.
زمان أول، والأول الذي نحبّه ليس ببعيد عنّا زمنياً، إنه يمثل الأعوام القريبة التي مضت والتي بقيت ذكرياتها ساكنة في أرواحنا تبعث فيها الدفء، وتحيي العروق الهايفات، لتنتشيَ روح، وتبسُم الشفاه التي نسيت سحر ابتسامتها في عالم يضج باللاشيء، الذي هو كل شيء، هكذا نتشبث بالأشياء من حولنا لأننا نفتقدها، ولأن دونها لا يمكننا العبور نحو المستقبل، فالماضي هو الجذر الضارب في عمق الروح، والأرض، وذاكرة المكان، من حاول القفز عليه سقط في بئر عميقة ليس لها قرار، ولا عنها فرار أبداً.
لماذا يأخذنا الحنين إلى الماضي، لأن أشياء كثيرة من حولنا فقدت بريقها، وخبت قيمتها، حتى ضوؤها غدا خافتاً لا يكاد "يجدّيك" إلى شيء، ذلك أن الأرواح في داخلها فقدت الكثير من البساطة، فلم تعد الكندورة ملهمة الشعراء، أو مغرية المحبين، فقد تخلص منها الجيل الجديد، واستعاض عنها بالجينز والملابس الحديثة التي أصبحت هويته الجديدة، وحدهم الذين يحبون الكندوره ويعرفون أسماء الخياطين والخياطات في الزمن الذاهب للأفول أو الآفل على كل حال، أقول وحدهم من يأخذه الحنين إلى الرايح، ويلسة العصر، واستكانة شاهي تأتيك بحب حولها بعض قطع من "القند"، وفنجان قهوة حين تسكبه تشتمّ رائحة الطّيب، والحب، والوفاء، والزمن الأجمل من كل زمن.
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى