-
2 - 7 - 2015, 08:25 AM
#1
حكاية وكذبة
-
حكاية وكذبة
*جريدة الخليج
نور المحمود:
نحكي لأطفالنا حكاية. الحكاية تليها عبرة. العبرة تتحول مع مرور الأيام إلى فكرة وشمعة على طريق الحياة. الشمعة تحترق، لكنها تضيء السبيل. والشمعة تحرق أيضاً إن أساء العابر استخدامها. أما الحكاية فتصبح ذكرى.
من تلك الحكايات الطفولية يبدأ مشوار الإنسان مع عالم الخيال، يصور له الكبار أشياء غير منطقية ولا حقيقية باعتبارها حصلت وسوف تحصل «في يوم من الأيام». الساحرة الشريرة لا بد أن تُهزم في آخر الحكاية. والساحرة الطيبة التي تبدو ضعيفة في البداية ومفعول سحرها بطيء ويمكن إزالته بضربة عصا من منافستها الشريرة، تستعيد قواها ،لتصبح كلمتها نافذة وتتحقق النهاية السعيدة.
هذه البراءة التي يرسم بها الكبار عالم الصغار، يشكّلون خيالهم بالصور الجميلة ، لينمو وسط حقول خضراء وورود وفراشات وضحكات. تحلّق أرواحهم سعيدة على أصوات العصافير والموسيقى الهادئة والأغاني الحالمة. كل هذه الأشياء أين تذهب؟ وماذا يفعل الطفل حين يكتشف أن الأسطورة خرافة، وأن الحكاية مرة، وأن الشرير ينتصر غالباً؟
أول ما يصطدم به الطفل هو التلفزيون، أفلام ومسلسلات كرتون مرعبة، أشخاص مشوهون برأسين أو ثلاثة، بعين واحدة أو ثلاث، كلامهم بذيء، يصرخون عالياً طوال الوقت، الموسيقى صاخبة، كل المشاهد خالية من أي حقل أو بساط أخضر، كل أشكال الورود والزهور غير متوفرة، الألوان باهتة أو داكنة. يبحث عن الوردي «البمبي» العالق في ذهنه من حكايات سمعها قبل أشهر فلا يجده.
شهور ويصبح الحلم كابوساً. يتغير العالم الوردي، مع أن الطفل مازال «طفلاً». ينتقل من دون رغبة منه من الحدائق الغنَاء وزقزقة العصافير إلى عالم الجن وهلوسات التلفزيون وصخب الألعاب الإلكترونية. أين تلك الأساطير يوم كانت الحكاية الجميلة توحي له بأنه يعيش داخل قصر، وبأنه حين يكبر سيجد نفسه «أميراً» على صهوة جواده، والفتاة «أميرة» تنتظر فارس الأحلام الشهم الذي سيحمل إليها كل السعادة؟ أين العصا السحرية التي تحقق الأمنيات؟
يقولون لك: غريب كم يبدو أطفال هذا الزمن أكبر من سنهم، أكثر إدراكاً ووعياً من أطفال زمان، ليسوا سذجاً ولا بسطاء كما كان الأسلاف! البراءة تتلاشى، والعقول تتفتح مبكراً على أسئلة كبيرة وعلى جرأة في الكلام والرد والتفكير.
ولماذا الاستغراب؟ ألم يكونوا عجينة قابلة للتشكيل كيفما نشاء؟ نحن من زرع الورود في خيالهم، ونحن من اقتلعناها سريعاً ، ليدخلوا عالم «الوحوش» على الشاشة وفي الخيال أيضاً. نحن من حلّق بهم فوق الغيوم مع الموسيقى الهادئة، ثم قص أجنحتهم ليرمي بهم وسط صخب وضجيج يسمونه أغاني وألحان.
سريعاً يكبر الطفل في عصر السرعة، يكتشف أن أصل الحكاية كذبة، وأن الكذبة يمكنها أن تكون فكرة ووسيلة. وماذا يتبقى من العبرة؟ مجرد ذكرى.
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى