.
أشياء.. لكن لها أرواح
*جريدة الخليج
يوسف أبولوز:
هل ستنقرض المخطوطات؟ ونقصد بها هنا الورق المكتوب بالقلم ويحمل نصوصاً في الشعر والرواية والقصة، وحتى الفكر، والنقد الأدبي والمسرح بعد سنوات مقبلة يكون الكمبيوتر فيها قد حل محل الكتابة باليد، واستولى تماماً على أمزجة الكتّاب؟
هذا السؤال والتساؤل الطويل ينطوي على أهمية خاصة تتصل بفن المخطوطات وجمالياتها وقيمتها الثقافية والتاريخية إذا ما عرفنا أن بعض المخطوطات العربية لها قيمة مادية ومعنوية عالية نظراً لاحتوائها على كتابات نادرة ومهمة جداً بالنسبة للثقافة العربية والتاريخ العربي، إلى جانب «طبقة» نادرة من المحققين العرب اشتغلت بصبر كبير على هذه المواد الورقية، وكشفت عن بعض المعلومات التي دعمت أو نقضت الكثير من الروايات والأخبار في تاريخ الأدب العربي، والفكر العربي.
قبل أيام قرأت مجموعة من الآراء لكتاب عرب بارزين كان محورها الكتابة بالقلم أو استخدام الكمبيوتر، وكان أمراً مطمئناً أن نصف تلك الآراء عبّر عن شغف الكتابة بالورق والقلم والحبر. وبكلمة ثانية، فالمخطوط العربي سيعيش ما عاش كتَّاب من هذا النوع ما زالوا على طريقة الوراقين والنساجين العرب القدامى، وما هم بقدامى.
الكتابة على سطح الكمبيوتر، هي عملية طباعة آلية، وليست فعل كتابة. والطباعة على الكمبيوتر لها أهميتها العملية والمهنية السريعة التي توفر الوقت بشكل واضح، ولكنها في النهاية تظل طباعة، وليست كتابة.
بعض الكتّاب العرب يكتبون موادهم الإبداعية الأدبية بالقلم وعلى الورق، ثم بعد ذلك ينقلون ما كتبوه على «المخطوط» إلى الطباعة الكمبيوترية، ولكن، يأسف هؤلاء أنهم يتخلصون مما هو مكتوب على الورق بعد نقله مطبوعاً على الكمبيوتر.
بعض الكتّاب يتحدثون دائماً عن الشغف الجديد الذي اكتشفوه في عملية الطباعة الكمبيوترية، ولكن من المؤكد أن هجران القلم هو هجران للخط العربي، أي خط اليد الذي يسوء يوماً بعد يوم مع التخلي التدريجي اليومي عن الورق، والخط كما نعلم هو روح جمالية نفسية بل ووجدانية ذات صلة بالثقافة العربية نفسها.
أهل الخط العربي يعرفون أن مجالهم الجمالي الفكري هذا هو الآخر لم يسلم من تدخل الكمبيوتر، وعلى رغم ذلك يظل الأصل هو الرقعة والريشة والحبر. أي أن المخطوطة هي الأصل، ويبقى تدخل الكمبيوتر في فن الخط مجرد آلية تقنية تكمن قيمتها فقط في مواكبة ما يمكن أن يخدم الأساس في فن الخط.
بكلمة ثانية، إن ثمة جزءاً من ذاكرة، بل جسد الإنسان العربي يزول منه وهو القلم الذي عاش آلاف السنوات بين خمس أصابع دائماً. هي اليد البشرية التي صنعت الكتابة، والبيت، والنسيج، والسيارة، والطريق، والسرير، والهاتف.
اليد البشرية أيضاً صنعت الكمبيوتر، وهو فتح تكنولوجي معرفي عظيم وكبير، والكمبيوتر أيضاً ليس وحشاً لكي يلتهم الورقة والقلم والمخطوط، فهذه أشياء، ولكن لها أرواح.





