.






الرواية ليست لغزاً


*جريدة الخليج



محمد ولد محمد سالم:

قرأت مرة رواية لأحد الأصدقاء الكتاب، فبدا لي أن البطل يتصرف بعض التصرفات الغريبة على وضعه الاجتماعي والقيادي، ويعاني بعض المشكلات النفسية التي لم أجد لها تفسيراً خلال الرواية بكاملها، فنقلت هذه الملاحظة إلى صديقي الكاتب، لأعرف رأيه في ذلك، فكان جوابه أن البطل في الأصل يعاني عقدة كون أمه من طبقة اجتماعية متدنية، وقد أخذ منها عند ولادته، ولم يرها بعد ذلك، فأثر فيه ذلك الأصل والفقد تأثيراً مزدوجاً، ولم يكن يجرؤ أن يأتي على ذكر والدته أمام الناس، وعلق الكاتب أنه ترك أصل اضطراب البطل غامضاً، ليترك للقارئ أن يكتشف ذلك، ويستشفه من خلال الرواية.


ليست القصة ولا الرواية لغزاً يطلب من القارئ حله، فحتى الرواية البوليسية وروايات المغامرات التي تقوم على الألغاز والغموض، وتختبر على نحو ما تفكير القارئ، وتحفزه على البحث بنفسه عن الحل من بين الاحتمالات الكثيرة المتكافئة التي تعرضها بين يديه، قبل أن تصل به إلى النهاية، حتى هذه الرواية لا تنتهي قبل أن تعطي لقارئها كل المعلومات الضرورية، وتفسر له كل الغوامض، وتحل له كل الألغاز، وكل من قرأ مثلاً روايات الكاتبة المبدعة أجاثا كريستي سيختبر هذه الحقيقة، فعلى مدى الساعات التي نقرأ فيها إحدى تلك الروايات نجد أنفسنا متورطين في اتهام شخصياتها كل على حدة بأنه هو المجرم، ويظل يرجح هنا وهناك حتى تأتي النهاية، التي تحدد لنا المجرم بالأدلة المقنعة التي لا تترك مجالاً للشك.


ترتكز الكتابة القصصية والروائية على أمرين أساسيين، الأول الإخبار بالقصة التي حدثت مع التفاصيل الضرورية لإيصالها مكتملة إلى القارئ، وبالشكل الذي يريده الكاتب، والثاني هو التفسير المقنع للأحداث بحيث يجد القارئ تبريراً لتصرفات الأبطال التي يأتونها أثناء جريان الأحداث، ويجد كذلك مبرراً لسير وتنقل الأحداث في اتجاه معين دون غيره من الاتجاهات الأخرى المحتملة، وكلما أحكم الكاتب تنسيق الأحداث، وأعطى الوقائع تبريراً منطقياً مقنعاً للقارئ، كلما كان نجاحه في الوصول إلى غاياته الفكرية والتأويلية أبلغ، ولهذا يبدو عمل ذلك الكاتب الصديق ناقصاً لأنه أخفى عن قرائه بعض المعلومات الضرورية لتفسير الأحداث والتصرفات، وفهم القصة.


الرواية ليست لغزاً، لكنها مغزى، إنها حكاية متكاملة مبنية بسياق أحداث وسمات ومشاعر شخصيات في ظروف زمانية ومكانية معينة، وموجهة للوصول إلى نهاية معينة، ومن خلال ذلك البناء، ومآلات الحكاية يخرج القارئ بانطباع معين، فكري وشعوري، ويستشف معنى معيناً وراء الحكاية بكاملها، ذلك المعنى أو الانطباع أو الفكرة هو المغزى العميق الذي كان الكاتب طوال الرواية يسوقه إليه، ويحفزه لفهمه، ولن يفهمه إلا باكتمال الأحداث.


عند هذا المستوى من التحليل ندرك أن من حق القارئ أن يطلع على كل المعلومات الضرورية لاكتمال القصة، ومن هنا يمكن القول: إن الرواية هي مغزى وليست لغزاً.