.
تجربة الكتابة
*جريدة الخليج
يوسف أبو لوز:
صورة الروائي الأمريكي آرنست همنغواي العالقة في أذهاننا حتى الآن تقع في إطار واحد هي أنه ملاكم وصيّاد سمك، ولكن همنغواي الذي كتب رواية الشيخ والبحر ولحيته آنذاك لم تكن بيضاء كان (.. لا يمل من جمع القطط.. غالباً ما كان يعود من نزهاته حاملاً معه قطة صغيرة، إما أن يكون قد خلصها من الغرق أو من صاحبها القاسي أو وجدها على قارعة الطريق)، هكذا يصفه كاتب باسم مستعار هو س. ر. مارتين، والكتابة تحت اسم مستعار تثير الفضول فإما أن تكون هذه الاستعارة لامرأة أو لرجل، وقد يختبئ كاتب كبير في لحظة من حياته خلف اسم ليس اسمه الحقيقي، كما كان يفعل فرناندو بيسوا الذي كتب بحوالي خمسة أسماء مستعارة دوخت قارئه الذي كان يراوده الشك في هذه اللغة التي تدور بين أسماء خمسة لكن طعمها واحد ورائحتها واحدة، فاللغة لا تورث كالأرض كما يقول محمود درويش فحسب، بل اللغة تُشم وتُلمس كالزهرة أو كالتفاحة، والأكثر من ذلك من شأن اللغة أن تفضح صاحبها وتنزع عن وجهه قناع الخفاء، وتُظهر اسمه السري أو المستعار إلى وضوح الحقيقة.
غير أن مهمة مارتين في كتاب صغير وجميل جاء تحت عنوان بحث في تجربة الكتابة كانت أبعد من إثارة فضول القارئ عندما ذهب هذا الكاتب الغامض إلى تقصي الوجه الآخر والمسلكيات الأخرى لعشرة كتاب كبار في العالم، كأنه يبحث في مختبر هؤلاء الروائيين العمالقة من خلال علاقات شخصية مع بعضهم وصولاً إلى هدف مكثف جداً كان يسعى إليه وهو أن كتب هؤلاء الروائيين كانت تخاطب البشر، وكانت وراء هذه الكتب الإنسانية الكونية سلوكيات صغيرة أو تفاصيل صغيرة كشفها لنا الاستعاري المقنع س.ر.مارتين.
على سبيل المثال كان همنغواي يكتب بقلم الرصاص ويفضله على الآلة الكاتبة، أما الألماني اريش ماريا ريمارك صاحب رواية ليلة لشبونة فكان يكتب بعجلة ومن دون تفكير، كأنه مصاب بالحمى. ينشط ذهنه بالقهوة المرة والسجائر الثقيلة، ومارغريت ميتشل كانت ذات شعر كستنائي وعينين زرقاوين ووجه شاحب، عندما يراها المرء يعتقد أنها لا تعرف العد حتى الثلاثة، والروائية هارييت بيتشر ستاو.. تستمر في الكتابة مع أن طعمها مر، في حين أن الروائي جورج سيمون عندما يؤلف كتاباً يتصرف كأنه مسافر أو مريض، أما روائية الجرائم أغاثا كريستي فكانت تأتيها أفضل الأفكار وهي في الحمام، وادغار والاس كان يحب سباق الخيل.
كل هذه التفاصيل كشفها اسم مستعار كأنه يقول إذا استطعتم كشف أسراري وغموضي فافعلوا ذلك، ولكن باسم بالغ الوضوح.
الكتابة غموض ووضوح، حلو ومالح، والأجمل ما فيها ذلك المجاز وذلك القناع الأكثر شفافية من الزجاج.





رد مع اقتباس