.
ربما هي درجات العمر
*جريدة الخليج
يوسف أبولوز:
كيف تختار كتاباً؟.. كيف تقرأ كتاباً؟.. الأرجح كما تختار صديقاً؟.. أولاً من العنوان، وعنوان الإنسان عيناه، وعيناه تفضيان إلى قلبه، وقلبه يفضي إلى عقله، وعقله يفضي إلى روحه، والروح جوهر الإنسان.
يُختار الكتاب من عنوانه، ثم من مضمونه ثم من مؤلفه أو العكس.. من المؤلف إلى المضمون إلى العنوان، وأول ما تقرأ من الكتب تلك التي تشبهك.
كتب الطفولة أو كتب البيت الأول، وكتب الأمومة الأولى.
ثاني ما تقرأ من الكتب، تلك التي تشبه شبابك.
كتب السرعة والجري والقفز والطيران.
كتب الثانوية العامة، أو كتب الجامعة.
أو كتب المعهد المتوسطي الذي وفّر لك الهواء الطلق لتكتب قصيدتك الأولى في صحيفة الحائط بخط اليد وبالحبر الأسود على ورق جرائد.
ثالث ما تقرأ.. تقرأ تلك الكتب التي تشبه عمرك. آنذاك كنت أنت في الثلاثين. الحياة أجمل والوعي أكبر. وأنت آنذاك كنت قد تركت العشرين وراء ظهرك، لأن صدرك كان في مواجهة الريح، وظهرك كانت تضربه الرياح.
يقرأ الإنسان في الأربعين من عمره.. ما كان قد فاته في العشرين، كأنه لسبب ما يعود إلى سرعته، وجريه، وقفزه، وطيرانه.
في الخمسين يقرأ ما كان قد فاته في الأربعين. كأنه كلما تقدم في العمر.. تقدم، أيضاً في ماضيه.
.. هل يمكن للإنسان أن يعيش مكتملاً وممتلئاً بروحه من دون ماضيه؟ والماضي تاريخ وذاكرة وصور.
يقرأ القارئ والكاتب والنسّاخ والورّاق وهم في الستين ما كان فاتهم وهم في العشرين والثلاثين والأربعين والخمسين.
.. نتقدم في العمر، وفي الزمن نفسه إذا كان للزمن من نفس، نعود إلى الماضي.. نعود إلى الكتاب الأول والأم والأب والصديق.
في العشرين نحاول الطيران.. نركض ونجري ونقفز. في الثلاثين نهدأ ونكتب. في الأربعين نتأمل ونهدأ أيضاً ونكتب. في الخمسين نلوذ في أنفسنا ونتعلم الصمت. في الستين نتذكر.
ما أجمل أن نتذكر الماضي في الستين.





رد مع اقتباس