.
الرسالة التي مزّقها جوركي
*جريدة الخليج
د. حسن مدن:
ليس الفارق في العمر بين أنطون تشيخوف ومكسيم جوركي كبيراً، فالأول ولد في العام 1860 والثاني في العام 1868، مع ذلك كان جوركي ينظر إلى تشيخوف بصفته مُعلّماً له، وسعى جاهداً للالتقاء به.
في المراسلات بين الرجلين التي ترجمها جلال فاروق الشريف، نعثر على رسالتين متبادلتين بين الرجلين تعودان إلى العام 1898، ومن سياقهما نفهم أنهما لم يكونا قد التقيا بعد، بل إن تشيخوف ليس لديه فكرة عمن يكون جوركي وأين يقيم.
كان جوركي قد شاهد للتو «الخال فانيا»- المسرحية التي كتبها تشيخوف - وأصابته حال من الانبهار بها، فكتب لتشيخوف انطباعاته الفورية عما رأى، ولكنه سرعان ما مزّق الرسالة، ثم كتب لتشيخوف رسالة أخرى، ربما بعد حين، ذكر فيها ذلك قائلاً: «إن المرء ليخونه التعبير الواضح عما تثيره هذه المسرحية في أعماق النفس»، وقال أيضاً إنه بكى «كامرأة طيبة» حين شاهد المسرحية.
قال جوركي أشياء أخرى كثيرة في مديح المسرحية، لكنه قبل ذلك تمنى معرفة رأي تشيخوف في «الأقاصيص التي كتبها».
ردّ تشيخوف على رسالة جوركي بعد أسبوعين أو ثلاثة. ولا تظهر الرسالة الجوابية أنه تأثر كثيراً بمديح جوركي
لـ«الخال فانيا». اكتفى بالقول إنه كتبها قبل زمن طويل، وطويل جداً، «وليس لها بصورة عامة أي أثر في نفسي».
بالغ تشيخوف كثيراً في التقليل من شأن مسرحيته، وقد يفسر ذلك بتواضعه في تقييم أعماله، أو بميله لعدم الاستكانة لما حققته من نجاح، تطلعاً إلى أعمال أجود وأعمق.
لكن ما نود تسليط ضوء أكبر عليه، هو ما أبداه تشيخوف من ملاحظات على قصص جوركي استجابة لطلبه. قال له: «إنك فنان ذكي ذو حساسية تلفت النظر.. وإذا ما التقينا لمدة ساعة أو ساعتين فستقتنع بالمرتبة العالية من التقدير التي أحُلّك فيها وبالآمال التي أعلّقها على مواهبك».
لم يكتف تشيخوف بهذا المديح.
خاطب جوركي قائلاً: «ولنتحدث الآن عن نقائصك. هذا أصعب من الحديث عن محاسنك». وكي يلتمس لنفسه العذر في ما سيحمله رأيه من صراحة كتب: إن الحديث عن النقائص يشبه الحديث عن شجرة، فالأمر لا يتصل بالشجرة نفسها، وإنما في ذوق الناظر إليها.
ثم ذكر له بعض تلك النقائص: فقدان الانسجام. أوصاف الطبيعة في محاوراتك، تمنيت لو أنها أكثر تركيزاً وأشد قصراً فلا تتجاوز السطرين أو الثلاثة. تكرار بعض الكلمات يكسبها رتابة تشيع البرود وترهق الذهن.
تلك نصائح تعنينا جميعاً.





رد مع اقتباس