الأرواح المســافرة.
تلك النعوش التي تحمل يوميا على الأكتف المنهارة، والأجسام التي هزها المنظر اليومي المريع، تلك النعوش التي تجوب الطرق كل صباح ومساء، تحمل أشخاصا كانوا هنا يوما، عاشوا اللحظات والأحداث، جابوا هذه الطرق مع آخرون كانوا هنا أو ما زالوا إلى اللحظة، تلك الأرواح المسافرة التي تقتل بلا رحمة تغادرنا دائما، هذا المشهد الحزين يكلم أفواهنا ويعصر فينا الألم كل لحظة.

ترى الحزن يخيم والدموع تذرفها المقلات الحزينة، والأكف تمسح ما يترقرق من دمع على الوجوه الذابلة والشاردة، النحيب والأصوات يمتزجان في الأفق، ومدارات الأرض تحوم حولنا كأن دوار يصيب رؤوسنا الصلبة، وطيور الغربان السود تحلق في جوف السماء تعيش اللحظة التي ينهار فيها الجميع.

السواعد مبتلة بذلك التراب المبلل بالماء، وتلك الرائحة تفوح من هذا التراب الشهي وكأن رائحة الموت تحوم حولنا، وطمر الجسد الذي رحلت روحه، وطمرت الأيام والسنين واللحظات الجميلة والحزينة، وطمرت الأحلام والآمال العريضة، وطمر ذلك الصوت الذي كان يهمس هنا تارة ويصرخ هناك تارة أخرى، رحل ذلك الجسد مبقيا بقايا من الذكرى العالقة فينا من صوت وصورة.