لست أدري لماذا تذكَّرت وديع السّخن حين التقيت إميل آزاييف. كان إميل هو أوَّل رجلٍ إسرائيليٍّ ألتقيه في حياتي.
نيويورك 1981.
الحرب الأهليّة في لبنان تحوَّلت إلى (وجوهٍ بيضاء), وأنا في نيويورك أُعدُّ بحثا أكاديميّا عن الحكايات الشعبيّة الفلسطينيّة, وأبحث عن شخصيّة جرجي الرَّاهب.
في مكتبة جامعة كولومبيا, التقيت إميل. كان أسمر, كثّ اللّحية, يتكلَّم الأميركيّة بلهجةٍ شرقيّة, ويمطّ الحروف ويتركها تمتدّ, فتصبح الكلمة عنده واسعة تحتلّ حيِّزا, لا على طريقة الأميركيّين الذين يقبضون على الكلمات ويتركونها تتطاير من أفواههم.
إميل آزاييف قدَّم نفسه بوصفه طالبا إسرائيليّا يعيش في نيويورك, ودعاني لحضور فيلم قصير, أخرجه أحد أصدقائه عن (كندا بارك) في القدس, أى عن القرى الثلاث عمواس وبيت نوبا ويالو, التي دمَّرها الإسرائيليُّون فور احتلالهم الضفّةَ الغربيّة عام 1976, وحوَّلوها إلى (كندا بارك), من أجل توسيع مدينة القدس.
على ضفّة البحر الميّت رأيت صديقي إميل.
كنَّا نجلس في الغور, وسط سماءٍ رصاصيّة.
العودة إلى عمَّان هي عودة إلى مدينةٍ لا تنضب ذاكرتها. ربَّما لأنَّنا حين ذهبنا إليها للمرَّة الأولى كنَّا ممتلئين بذلك الشَّوق إلى البداية, الذي يموت مع التقدُّم في العمر.
من عمَّان ذهبنا إلى الغور, إلى نهر الأردن, حيث بدأت معموديَّتنا بالماء والرُّوح والدمّ.
وأمام النَّهر التقيت به.
كان المسيح في كلِّ مكان. يقف وسط المياه الضّحلة التي حوَّل الإسرائيليُّون مجاريها, فصار النَّهر كمجرى صغيرٍ موحل. هناك في المجرى الصغير الموحل رأيته. السيِّد يقف وحده كغريب. وأنا أمامه. يومها سألوه كما سيسألونه كلّ يوم, (هل أنت إيليَّا?) وسيجيبهم كما أجابهم دائما, (لا).
هذه المرّة سألوني أنا. لست أدري من أين جاؤوا, ولماذا, فجأة رأيتهم أمامي, وسألوني: (هل أنت إيليَّا?).
قلت: لا.
قالوا: من?
قلت: أنا.
قالوا: من?
قلت: مجرَّد من يكتب هذه الحكاية.
التفت المسيح, وكانت المياه تصل إلى ركبتيه, وهو يقف وكأنَّه يستمع إلى أصواتٍ غامضةٍ لا نسمعها نحن.
التفت وسألني: (أيَّة حكاية)?
(حكايتك يا سيِّدي), قلت.
(ولكنَّها مكتوبة), قال.
(أكتبها لأنَّها مكتوبة), قلت, (نكتب المكتوب, لو لم يكن مكتوبا ما كتبنا).
وسأله رجلٌ من هناك (هل أنت مسيَّا), (أنت قلت), أجابه. لم يقل إنَّه هو, تركهم يقولون, وأمَّا هو فقال ما سبق أن قيل.
هكذا يا سيِّدي أكتب المكتوب, وإلاَّ ماذا أكتب?
كان الأفق رصاصيّا, وكان هو وإيليَّا نبيّ النَّار, وهذه المسافة الصّغيرة التي تفصل الأرض عن الأرض.
إميل لم يكن معي.
كنت قد استمعت إلى حكايته في نيويورك, وكان قد أحبَّ كثيرا شخصيّة الرَّاهب, قال إنَّها تصلح لرواية كاملة عن بطلٍ شعبيٍّ عربيٍّ يشبه (روبين هود), ولكنَّه قد يُتَّهم بأنَّه معادٍ للسَّاميّة, واقترح تغيير قصّة خطفه لليهودي.
قلت لإميل إنَّ الرَّاهب لم يخطف أيّ يهوديّ, ولكن الحكاية الشعبية تقول الأشياء كي لا تحدث, إنَّها مجرَّد بديلٍ نفسىّ. إميل أصرَّ على رأيه ولم يقتنع بإمكانيّة أن نكتب الحكاية.
ولكن الفرق كبير, أعني بين حكاية إميل وحكاية وديع السّخن. فوديع السّخن لم يكن يملك حكاية. حكايته أنَّه لا يمتلك حكاية, فوجد نفسه مضطرّا إلى تبنِّي حكاية ما, كي يهاجر إلى إسرائيل بعد الحرب الأهليّة الصغيرة التي حدثت في لبنان عام 1958, يومها باع كلّ شيء, وجورج نفَّاع هو الذي اشترى.
روى إميل.
روى كيف هرب والده ألبير من بولونيا إلى فلسطين.
كان ألبير آزاييف يمشي في أحد شوارع صوفيا عندما رأى الشَّاحنة التي تنقل المعتقلين اليهود الذين كانوا يؤخذون إلى معسكرات الإبادة والموت. وفي الشَّاحنة رأى شقيقه الوحيد. كان رأس الأخ يظهر من النَّافذة المغلقة بالأسلاك. رأى ألبير شقيقه والتصق بالحائط, كان يبحث عن مكانٍ يهرب إليه, فلم يجد سوى الحائط, التصق به وهو يرتجف من الخوف. وهنا بدأ السَّجين يصرخ, قال ألبير إنَّه رأى شقيقه يصرخ وينطّ ويشير برأسه إلى حيث ألبير الذي كاد يسقط على ركبتيه من الخوف الذي كسر مفاصله. هل كان السَّجين يشير إلى معتقليه بأن يأخذوا أخاه أيضا? هل كان يريد أن يقول لهم إنَّ هذا الرَّجل الملتصق بالحائط هو يهودي آخر ويجب اعتقاله? أم كان خائفا على الأخ ويريد تحذيره?
ألبير لا يعرف.
روى الحكاية لابنه مرَّة واحدة, وبقيت المسألة غامضة في ذهن إميل. الأب حين روى كان صوته يتقطَّع بالذّعر.
(هل كان أخي يريد قتلي, أم كان خائفا, والخوف يستطيع أن يجعل الإنسان يفعل كلّ شيء?).
ووصل ألبير آزاييف إلى فلسطين عن طريق الوكالة اليهوديّة. كان يريد الذّهاب إلى سويسرا للالتحاق بالمدرسة الفندقيّة في لوزان, ولكنَّه وصل إلى تل أبيب. اعتبر تل أبيب محطّة إلى لوزان, وهناك التقى بزوجته, وهي فتاةٌ روسيّة الأصل وُلِدت في فلسطين, وبقي معها.
(لم يكن أبي يريد العودة إلى فلسطين), قال إميل.
(لكنّه ذهب), قلت.
(لم يكن يريد العودة), قال.
(الذّهاب), قلت.
وألبير آزاييف ليس مثل فيصل.
كيف أكتب قصّة فيصل, وفيصل مات قبل أن تكتمل قصّته? هل هو الفتى نفسه الذي قابلته بعد مذابح شاتيلا وصبرا عام 1928? لست أدري.
سألت محمد ملص, ولكن المخرج السينمائي السوريّ حين جاء معي إلى مخيَّم شاتيلا لزيارة سامية كان فيصل قد قُتِل. أُصيب فيصل في رأسه قبل مقتل عليّ أبو طوق بثلاثة أيَّام.
محمد ملص الذي صنع فيلما عن منامات الفلسطينيين, لم يضع فيصل في فيلمه, بل نشر نصّ منام فيصل في كتاب.
قال فيصل:
(زيّ ما بيحكوا لنا أهالينا كيف نزحوا من فلسطين بالثمان وأربعين. تماما, شفت أنه إحنا, أهالي المخيَّم, راكبين شاحنات وحاملين أغراضنا, بسّ قال راجعين على فلسطين. بعد ما قطعنا النَّاقورة, شفت بحيرة كبيرة, تطلَّعت وسألت أبوي عنها, قال لي وأك يابا هاي طبريّا مش عارفها? حسّيت ساعتها من كلام أبوي أنّه انشرح صدري, وصرت أتطلَّع, وشفت من الشاحنة الماشية الأرض خضرا خضرا وكلّها شجر زيتون. وبالمنام بسّ, وصلنا إلى فلسطين, ما شفت إلاَّ كلّ أهالي المخيَّم صاروا يتفرَّقون, وصار كلّ واحد يروح على بلده. يللِّي من حيفا راح على حيفا, ويلِّلي من يافا راح على يافا. وشفت حالي بقيت لوحدي, وكلّ أصحابي يلِّلي معاي بالمدرسة راحوا. حسّيت بوحدة شديدة, صرت أقول لحالي, يا ريت نرجع نحن يلِّلي عايشين بالمخيَّم نعمل بلد صغيرة, بلد أو قرية أو مخيَّم, شي زيّ شاتيلا يلِّلي كنَّا عايشين فيه. رحت دغري أدوّر على أصحابي تقول لهم, تعالوا نعمِّر بلد صغيرة, بلد أو قرية أو مخيَّم, شي زيّ شاتيلا يلِّلي كنَّا عايشين فيه. رحت دغري أدوّر على أصحابي تقول لهم, تعالوا نعمِّر بلد بقلب فلسطين, تجمَّعنا مع بعض, وتكون زيّ المخيَّم, بسّ لحظتها فقت).
أفاق فيصل, وكان في الحادية عشرة, أفاق لأنَّه عرف بأنَّه لن يعود إلى فلسطين, بل سيذهب إليها. لا أحد سيرجع, الرّجوع وهم. نعود أي نذهب.
لماذا نذهب إذا كنَّا لن نعود?
(هل عاد اليهود?), سألت إميل.
فيصل عاد مرّة ثانية كي يروي حكاية أخرى. وحكايته الأخرى لم تكن مناما, كانت ما جرى. المنام جرى والمذبحة جرت.
تكدَّس الجميع, وكان فيصل قد أُصيب بثلاث رصاصات في خاصرته ويده. زحف ونام بين أشقَّائه وشقيقاته السبع وأمّه الذين ماتوا برصاص الذين دخلوا مخيَّم شاتيلا ليل 61 أيلول 1982. تغطَّى بالموتى كي يوحي بأنَّه ميّت, ولم يكن ميِّتا. وحين غادر المسلَّحون, ركض في الشَّارع, ثمَّ صار يزحف وسط الجثث الأفقيّة التي وصف جان جينيه سوادها وانتفاخها ودهشتها في الموت, حتَّى وصل إلى حيث الصحافيُّون الأجانب, وهناك أُغمي عليه.
فيصل لم يروِ حكايته الثالثة, لأنَّه في المرّة الثالثة مات.
قال إميل إنَّ هذه المأساة يجب أن تنتهي.
كنت أقف أمام خاصرة البحر الميّت.





رد مع اقتباس