قــــراءة ممتعـــة،،


وفجأة جاء القصف من الشرق، من تلال الكرمل العالية. ومضت قذائف الموتر تطير عبر وسط المدينة لتصب في الأحياء العربية.
وانقلبت شوارع حيفا إلى فوضى، واكتسح الرعب المدينة التي أغلقت حوانيتها ونوافذ بيوتها
كان ( سعيد. س ) في قلب المدينة، حين بدأت أصوات الرصاص والمتفجرات تملأ سماء حيفا، كان قد ظل حتى الظهر غير متوقع أن يكون ذلك هو الهجوم الشامل و عندها فقط حاول للوهلة الأولى أن يعود إلى البيت بسيارته. إلا أنه ما لبث أن اكتشف استحالة ذلك، فمضى عبر شوارع فرعية محاولاً اجتياز الطريق إلى (( الحليصة)) حيث يقع منزله، إلا أن القتال كان قد اتسع، وصار يرى الرجال المسلحين يندفعون من الشوارع الفرعية إلى الرئيسية وبالعكس، وكانت تحركاتهم تسير وفق توجيهات بمكبرات الصوت تنبثق هنا وهناك. وبعد لحظات شعر سعيد أنه يندفع دونما اتجاه، وأن الأزقة المغلقة بالمتاريس أو بالرصاص أو بالجنود إنما تدفعه دون أن يحس، نحو اتجاه وحيد، وفي كل مرة كان يحاول العودة إلى وجهته الرئيسية، منتقياً أحد الأزقة، وكان يجد نفسه كأنما بقوة غير مرئية يرتد إلى طريق واحد، ذلك هو المتجه نحو الساحل.
كان قد تزوج فبل عام وأربعة أشهر منصفية، واستأجر بيته الصغير في تلك المنطقة التي حسب أنها ستكون أوفر أمناً، وفجأة يشعر الآن بأنه لا يستطيع الوصول إليه.. كان يعرف أن زوجته الصغيرة لا تستطيع أن تتدبر أمرها، فمنذ أن جاء بها من الريف لم تعتد أن تقبل العيش في المدينة الكبيرة، أو أن تكيف نفسها مع ذلك التعقيد الذي كان يبدو راعباً لها، وغير قابل للحل، ترى ما الذي يمكن أن يحدث لها الآن ؟.
كان ضائعاً، تقريباً، ولم يكن يعرف على وجه التعيين أين يحدث القتال وكيف، وفي كل حدود علمه أن الإنكليز كانوا ما زالوا يسيطرون على المدينة، وأن الأحداث في شكلها النهائي كان مقدراً لها أن تقع بعد ثلاثة أسابيع تقريباً، حين يشرع البريطانيون في الانسحاب حسب الموعد الذي حددوه.
ولكنه فيما كان يسارع الخطو كان يعرف تماماً أن عليه أن يتجنب المناطق المرتفعة المتصلة بشارع هرتزل، حيث كان اليهود يتمركزون منذ البدء، ومن ناحية أخرى كان عليه أن يبتعد عن المركز التجاري الذي يقع بين حارة الحليصا وبين شارع اللنبي، فقد كان ذلك المركز نقطة القوة في السلاح اليهودي.

وهكذا اندفع محاولا الدوران حول المركز التجاري كي يصل إلى الحليصا، وكانت أمامه طريق تنتهي بوادي النسناس، وتمر عبر المدينة القديمة.
وفجأة اختلطت عليه الأمور وتشابكت الأسماء: الحليصا، وادي رشميا، البرج، المدينة القديمة، وادي النسناس، شعر أنه ضائع تماما، وأنه فقد وجهة سيره. كان القصف قد اشتد، ورغم انه كان بعيدا بعض الشيء عن مراكز الإطلاق إلا أنه استطاع أن يميز جنودا بريطانيين يسدون بعض المنافذ ويفتحون منافذ أخرى.
ويبدو أنه، بصورة ما، وجد نفسه في المدينة القديمة، ومنها اندفع كأنما بقوة لا يعرفها، نحو جنوب شارع ستانتون، وكان يعرف الآن أنه يبعد أقل من مئتي متر عن شارع الحلحول، وبدأ يشم رائحة البحر.
وعندها فقط تذكر"خلدون"الصغير، ابنه الذي اتم في ذلك اليوم بالذات شهره الخامس، وانتابه فجأه قلق غامض. ذلك هو الشيء الوحيد الذي ما زال يحس بطعمه تحت لسانه، حتى في هذه اللحظات التي تبعد عشرين سنة عن المرة الأولى التي حدث فيها ذلك.
هل كان يتوقع تلك الفجيعة ؟ الأمور هنا تختلط. الماضي يتداخل مع الحاضر، وهما يتداخلان مع أفكار وأوهام وتخيلات ومشاعر عشرين سنة لاحقة، هل كان يعرف ؟ هل أحس ذلك الشيء الفاجع قبل أن يحدث ؟ أحيانا يقول لنفسه"بلى، عرفت ذلك قبل أن يحدث"وأحيانا أخرى يقول لنفسه :" لا. أنا أتصور ذلك بعد أن حدث، لم يكن من المتوقع أن أتوقع شيئأ مروعا من ذلك النوع".
كان المساء قد بدأ يخيم على المدينة، ليس يدري كم من الساعات أمضى وهو يركض في شوارعها، مرتدا عن شارع الى شارع، أما الآن فقد بات واضحا أنهم يدفعونه نحو الميناء، فقد كانت الأزقة المتفرعة عن الشارع الرئيسي مغلقة تماما، وكان إذ يحاول الاندفاع في أثرها ليتدبر أمر عودته الى بيته، يزجرونه بعنف، واحيانا بفوهات البنادق وأحيانا بحرابها
كانت السماء نارا تتدفق بأصوات رصاص وقنابل وقصف بعيد وقريب، وكأنما هذه الأصوات نفسها كانت تدفعهم نحو الميناء. ورغم أنه كان غير قادر على التركيز على أيما أمر معين، إلا أنه رأى كيف بدأ الزحام يتكاثف مع كل خطوة. كان الناس يتدفقون من الشوارع الفرعية نحو ذلك الشارع الرئيسي المتجه الى الميناء، رجالا ونساء وأطفالا، يحملون أشياء صغيره أو لا يحملون، يبكون أو يسبحون داخل ذلك الذهول الصارخ بصمت كسيح. وضاع بين أمواج البشر المتدفقه وفقد القدرة على التحكم بخطواته. إنه ما يزال يذكر كيف أنه كان يتجه نحو البحر وكأنه محمول وسط الزحام الباكي، المذهول، غير قادر على التفكير في أي شيءء، وفي رأسه كان ثمة صورة واحده معلقة كأنما على جدار: زوجته صفية وابنه خلدون.

لقد مضت اللحظات بطيئة وقاسية وتبدو الآن مجرد كابوس ثقيل لا يصدق. اجتاز البوابة الحديدية للميناء حيث كان جنود بريطانيون يزجرون الناس، ومن هناك رأى أكوام البشر تتساقط فوق الزوارق الصغيرة المنتظرة في الماء قرب الرصيف، ودون أن يعرف ماذا يجب عليه أن يفعل، قرر ألا يصل الى الزوارق وفجأة –كمن أصيب بالجنون، او كمن عاد اليه عقله دفعة واحدة بعد جنون طويل – استدار وسط الزحام، وأخذ يدافعه محاولا بكل ما فيه من قوة مستنزفة أن يشق طريقة وسطه، عكسه، نحو البوابة الحديدية.
مثل من يسبح ضد سيل هادر ينحدر من جبل شديد العلو أخذ سعيد يشق طريقة بكتفيه وذراعية وساقيه ورأسه. يجره التيار خطوات الى الوراء فيعود ويتقدم مندفعا بشيء من الوحشية مثل حيوان طريد يشق طريقا مستحيلا في دغل كثيف متشابك. وفوقه كان الدخان والعويل ودوي القنابل وزخات الرصاص تمتزج أصواتها بالصراخ وهدير البحر وزحف الخطوات الضائعة وضرب المجاذيف سطح الموج...
هل حقا مضى على ذلك كله عشرون سنة؟.
كان العرق يتصبب باردا على جبين سعيد وهو يقود سيارته صاعدا المنحدر. لقد حسب أنتلك الذاكرة لن تعود بهذا الصخب المجنون الذي لم يكن لها إلا لحظات حدوثها. ومن طرفي عينيه نظر الى زوجته : كان وجهها مشدودا أميل الى الاصفرار وكانت عيناها تتدفقان بالدموع، لا ريب أنها – قال لنفسه – تستعيد خطواتها ذلك اليوم ذاته، حين كان هو أقرب ما يكون الى البحر، وكانت هي أقرب ما تكون الى الجبل، وبينهما يمد الرعب والضياع خيوطهما غير المرئية، فوق مستنقع من الصراخ والخوف والمجهول.
كانت-كما قالت له أكثر من مرة في السنوات الماضية – تفكر به. وحين دوى الرصاص وانطلق الناس يقولون أن الانكليز واليهود أخذوا يكتسحون حيفا، راودها خوف يائس.
كانت تفكر به، عندما جاءت أصوات الحرب من وسط المدينة حيث تعرف أنه هناك. وكانت تشعر أنها أكثر أمنا، فالتزمت البيت فترة، وحين طال غيابه، هرعت الى الطريق دون أن تدري على وجه التحديد ما الذي كانت تريده. في البدء كانت تطل من الشباك، ومن الشرفة. وكأنها شعرت الآن أن الأمر قد تغير تماما، إذ بدأت النار تنهمر بغزارة، بدءا من الظهر، من التلال الواقعة فوق الحليصا. وأحست أنها محاصرة كليا، وعندها فقط اخذت تعدو نازلة الدرج، واندفعت على طول الطريق نحو الشارع الرئيسي، وكان استعجالها لرؤيته قادما يختصر خوفها عليه وقلقها من المصير المجهول الذي كان يحمل ألف احتمال مع كل رصاصة تطلق. وحين وصلت الى أول الطريق أخذت تراقب السيارات المندفعه بسرعة، وقادتها خطواتها من سياره الى أخرى، ومن رجل الى آخر، تسأل دون أن تحصل على جواب. وفجأه رأت نفسها في موج الناس، يدفعونها، وهم يندفعون من شتى أرجاء المدينة، في سيلهم العرم الجبار الذي لا يمكن رده، كانها محمولة على نهر متدفق مثل عود من القش.
كم مضى من الوقت قبل أن تتذكر أن خلدون الطفل ما زال في سريره في الحليصا؟