أدب المقاومة ( مقال )
محمد ولد محمد سالم
هل نستطيع اليوم الحديث من جديد عن أدب المقاومة؟ ما شرعية هذا السؤال بعد سنوات طويلة من انصراف الأدب العربي عن قضايا الحرب والاحتلال والتحرر، وعزفه على وتيرة الحوار والتطبيع والانفتاح على الآخر والبحث عمّا هو عالمي ومشترك في ظل اتفاقيات المفاوضات والحوارات الثنائية والثلاثية والرباعية والجماعية وفي ظل عولمة طغت واستكبرت ورمت إلينا بأورام شطحات أدبية وفنية نبتت في جسمنا الفاقد للمناعة الأصيلة والمكتسبة، وعشّشت جرثومتها فيه لتنتج أدباً غريباً مبتور الأصول يطوح في سماوات هلامية فيكدس لغة غريبة ويرصف شظايا صور كأنها كُسارة الزجاج يبعثرها خيال مريض قادر على كل شيء سوى خلق صورة مبتكرة وبعث روح في الحياة في كلماته الميتة.
في ظل هذه الموجة الطاغية كان الحديث عن أي نوع من الالتزام الأدبي يعد رجعية وكبتاً لحرية الكتابة، وإحالة إلى مفاهيم خارج الإبداع وخارج اللغة التي لا ينبغي أن تلتزم بشيء خارج منطقها هي، حتى إن الحديث عن دلالة للأدب أياً كانت تلك الدلالة هو أيضاً رجعية أو قتل للإبداع، فلا معنى للبحث عن دلالة ولنترك النص يلعب لعبته فيغوص بقارئه في لجج لا ساحل لها.
ومضت أزمنة الواقعية والالتزام الأدبي وتبعها زمن “أدب المقاومة” الذي ظهر في الأدب العربي الحديث في الستينات على يد شعراء الأرض المحتلة وفي مقدمتهم محمود درويش وسميح القاسم وسالم جبران، ونظر له الناقد المصري الراحل غالي شكري وحدد أسسه كأدب رافض للظلم منغرس في الجذور، ويستل خياله من رحم المعاناة ويأبى المساومة على حريته، ينأى عن الواقعية الفجة والخطاب السياسي المباشر، يفجر طاقة اللغة باستخدام التجاورات والصادمة، لكن الطافحة بالمعنى والمسكونة بالهم الوطني على نحو ما يقول درويش في قصيدة الأرض:
وقد فتشوا صوتَه
فلم يجدوا غير حزنهْ
وقد فتشوا حزنَه
فلم يجدوا غير سجنهْ
وقد فتشوا سجنَه
فلم يجدوا غير أنفسهم في القيود.
قد تبدو العودة إلى ذلك النهج بعيدة المنال بسبب حُجَب الظلام الكثيرة التي حَجبت الطريق لكن ألا تستطيع حرب الإبادة التي شنتها “إسرائيل” على غزة في مطلع هذا العام وعلى لبنان في العام 2006 قبل ذلك وما تركته هاتان الحربان من فظائع أبانت عنه من عدوانية راسخة في نفسية هذا الكيان، تجعله مستعداً لاستخدام الأسلحة الكيماوية لإذابة لحوم بشر تتساقط إرباً إرباً، مستعداً لتفحيم أوجه أطفال برءاء لا لشيء إلا لأنهم ولدوا على أرض تنغرس جذورهم فيها، وما يشهده المسجد الأقصى هذه الأيام من محاولات لاقتحامه لتهويده.. ألا يستطيع كل ذلك إذا ما جمع بأوجاع عربية أخرى أن يكون حافزا للعودة من جديد إلى “أدب المقاومة” بكل جمالياته التركيبية والخيالية الإنسانية، فيعيد للأدب العربي شيئا من البريق الذي فقده في مسيرة البحث عن المجهول وانعدام البوصلة.
* نقلا عن دار الخليج،،





رد مع اقتباس