والواحة فقدت ذلك المعنى الذي كانت تنطوي عليه حتى ذلك الحين، لن تصبح بعد الآن، تلك البقعة الكبيرة ذات الخمسين ألفاً من أشجار النخيل، وذات الثلاثمائة بئراً، والتي كان يبتهج الحجيج عند الوصول إليها بعد سفر طويل، واعتباراً من هذا اليوم لن تكون الواحة سوى مكان خاو، منذ الآن ستكون الصحراء أكثر أهمية من الواحة، وستقضي وقتها مراقبة السماء، متسائلة أي نجم سيكون دليل الشاب في بحثه عن كنزه، ولسوف ترسل له قبلاتها عبر الأثير آملة أن تلامس وجهه وتخبره بأنها على قيد الحياة، وأنها بانتظاره، كامرأة تنتظر رجلاً جسوراً يتابع طريقه بحثاً عن الكنوز والأحلام.
من اليوم لن يكون من الصحراء إلا الأمل بعودته ثانيةً.


× × ×


- لاتفكّر بمن خلّفت وراءك ـ قال الخيميائي عندما بدءا مسيرتهما في الصحراء ـ كل شيء منقوش في النفس الكليّة وسيبقى فيها إلى الأبد.
قال الشاب الذي بدأ يألف صمت الصحراء من جديد:
- الرجال لا يحلمون بالعودة أكثر مما يحلمون بالرحيل.
- إن كان ماوجدته يتكوّن من المادة النقيّة فإنه لن يفسد مطلقاً، ولسوف تستطيع العودة إليه يوماً، وإن لم تكن إلا ومضة مؤقتة، كانفجار نجم، فإنك لن تجد شيئاً عند عودتك، ولكنك تكون قد رأيت ضوءاً يومض، وهذا وحده يستحق أن يُعاش.
كان الرجل يتحدّث بلغة الخيمياء، لكن رفيق دربه فهم بأنه يلمّح إلى فاطمة.
لقد كان من الصعب جداً عدم التفكير بمن خلف وراءه، فالصحراء ذات الشكل الواحد في كل مكان لاتتوقف عن الاكتناز بالأحلام، والشاب مازال يرى أشجار النخيل والآبار، ووجه محبوبته، كان يرى الانكليزي ومختبره، والجمّال الذي كان معلّماً وهو لا يعلم ذلك.
- قد يكون الخيميائي لم يحب امرأة في حياته ـ قال لنفسه.
كان الخيميائي يسير في المقدّمة، وعلى كتفه الصقر، إنه يعرف لغة الصحراء، فعندما كانا يتوقفان كان الصقر يفارق كتف الخيميائي ويطير للبحث عن الغذاء، وقد أحضر في اليوم الأول أرنباً بريّاً وفي اليوم التالي طائرين.
في المساء مدَّا أغطيتهما على الأرض، لكنهما لم يشعلا النار. كانت ليالي الصحراء باردة، وظلمتها تشتد أكثر كلما أخذ القمر يفك تصالبه في القبة الزرقاء.
خلال أسبوع بكامله، تقدّما بصمت، لم يتحدّثا إلا عن الاحتراسات التي صارت حتمية لتلافي الوقوع في خضم المعارك الدائرة، فحرب العشائر كانت مستمرة، والريح كانت تحمل أحياناً رائحة الدماء النقيّة، فلعلّ معركة قد شبّت في هذه النواحي، والريح مازالت تذكر الشاب بلغة العلامات المستعدة دوماً أن تكشف له مالا تستطيع عيناه أن تراه.
في مساء اليوم السابع من السفر، قرر الخيميائي أن يخيّم في العراء، أبكر من المعتاد.
انطلق الصقر بحثاً عن طريدة، فتناول الخيميائي قربة من الماء وقدّمها إلى الشاب قائلاً:
- ها أنت ذا ستصل قريباً إلى نهاية رحلتك، لقد تتبّعت أسطورتك الشخصيّة، وأنا أهنئك.
- لكنك قدتني دون أن تقول كلمة، لقد ظننت أنك ستعلّمني علمك كلّه، فمنذ بعض الوقت ألفيت نفسي في الصحراء، بصحبة رجل كان بحوزته كتب في الخيمياء لكنني لم أستطع أن أتعلّم شيئاً.
أجاب الخيميائي:
- ليس هناك إلا طريقة واحدة للتعلّم: " التعلّم بواسطة العمل "، إنه السفر من يعلّمك ماكنتَ بحاجة إلى معرفته، ولا ينقصك إلا شيء واحد.
أراد الشاب أن يعرف ماهو، لكن الخيميائي حافظ على نظره محدّقاً في الأفق يراقب عودة الصقر.
- لماذا يدعونك بالخيميائي؟
- لأنني كذلك.
- وماهو الأمر الذي جعل الخيميائيين يخفقون في بحثهم عن الذهب؟
- لقد اكتفوا بالبحث عن الذهب، فقد بحثوا عن أسطورتهم الشخصيّة دون رغبة بأن يعيشوا الأسطورة نفسها.
- وما الذي مايزال ينقص معرفتي؟ ألحّ الشاب.
- لكن الخيميائي ظل يحدّق في الأفق.
وبعد أن عاد الصقر بفريسته، حفرا حفرة، وأشعلا النار فيها حتى لا يتمكّن أحد من رؤية ضوء اللهب.
- إنني خيميائي، لأنني خيميائي ـ أجاب بينما كانا يحضّران وجبتهما ـ وقد أخذتُ هذا العلم عن أسلافي الذين أخذوه عن أسلافهم، وهكذا على التوالي منذ خلق الكون، حيث كان من الممكن للإنجاز العظيم كلّه أن يكون مكتوباً على زمرّدة بسيطة. لكن البشر لم يعطوا أية أهمية للأشياء البسيطة وبدأوا بكتابة مؤلفات وترجمات ودراسات فلسفية، وادّعوا بأنهم قد عرفوا السبيل بشكل أفضل مما عرفه الآخرون.
سأل الشاب:
- ما الذي كان مدوّناً على لوحة الزمرّد؟
بدأ عندها الخيميائي بالرسم على الرمل، ولم يستغرق معه هذا العمل أكثر من خمس دقائق.
وبينما كان يرسم فقد تذكّر الشاب الملك العجوز، والمكان الي ضمّهما في يوم غابر وقد بدا له ذلك مغرقاً في القدم.
قال الخيميائي:
- هذا ماسُجّل على لوح الزمرّدة.
عندما انتهى، اقترب الشاب وقرأ الكلمات المكتوبة على الرمل.
- إنها رموز ـ قال وقد خاب ظنّه قليلاً بلوح الزمرّد، وحسبها تلك التي كانت موجودة في كتب الإنكليزي,
أجاب الخيميائي:
- لا إنه كطيران الصقرين. ولا ينبغي لهذا أن يفهم وذلك لسبب وحيد: هو أن لوح الزمرّد معبر مباشر يفضي إلى النفس الكليّة، ولقد فهم الحكماء أن هذا العالم الطبيعي ليس إلا صورة مشابهة او نسخة عن الجنّة، وطالما أن العالم موجود، فهذا وحده دليل كاف على أن هناك عالماً أكثر كمالاً منه، وقد خلقه الله كي يستطيع البشر إدراك تعاليمه الروحانية، ومعاجز حكمته، وهو ما أدعوه بالعمل.
- هل يتوجب عليَّ أن أفهم لوح الزمرّد ـ سأل الشاب.
- ربما، فلو كنت في مخبر خيميائي، لتسنّت لك دراسة أفضل الطرق لفهم لوح الزمرّد، لكنك في الصحراء، فخير لك أن تتوغل بها أكثر، فهي تفيد بفهم الكون أكثر من أي شيء آخر على سطح الأرض، حتى أنك لست بحاجة إلى فهم الصحراء، بل يكفي أن تتأمل حبة رمل بسيطة، لترى فيها عجائب الخلق كلّها.
- كيف عليّ أن أتصرّف كي أوغل في رحم الصحراء؟
- أصغِ إلى قلبك، إنه يعرف كل شيء، لأنه وُلد من النفس الكليّة، وإليها ذات يوم سيعود.


× × ×


سارا بصمت طيلة يومين، بدا الخيميائي محترساً أكثر، لأنهما كانا يقتربان من منطقة المعارك الأكثر ضراوة، بينما كان الشاب يجهد نفسه في سبيل الإصغاء إلى قلبه.
كان قلباً عصيّاً على الاستجابة، فمن قبل كان مستعداً دائماً للرحيل، أما الآن فهو يريد الوصول مهم كلّف الثمن.
لقد روى له قلبه مرّات عديدة قصصاً تلهب عنده الحنين إلى الوطن، وأحياناً كان قلبه يتأثر عن شروق الشمس في الصحراء، فيجعله يبكي ويبكي في الخفاء، لكنّه كان يخفق بسرعة عندما يحدّثه عن الكنز، وتتباطأ دقاته كلّما شردت عينا الفتى في أفق الصحراء اللامتناهي.
غير أنه لم يكن ليصمت أبداً حتى عندما لم يكن الشاب يتبادل أية كلمة مع الخيميائي.
- لماذا علينا أن نصغي إلى قلوبنا ؟ ـ سأل في ذلك المساء بينما كانا يتوقفان في استراحة.
- لأنه حيث يكون قلبك يكون كنزك.
قال الشاب:
- قلبي مضطرب، إنه يحلم، يفكّر، وهو عاشق لفتاة من الصحراء، ويطالبني بأشياء تقضّ مضجعي عندما أفكّر بها.
- هذا جيّد فقلبك حيّ، واظب على الاصغاء لما يقوله لك.
وخلال ثلاثة أيام متتالية، التقيا عدة مقاتلين، ولمحا آخرين أيضاً عند خط الأفق، بدأ قلب الشاب يتحدّث عن الخوف، روى قصصاً قد سمعها من النفس الكليّة، قصص عن رجال ارتحلوا بحثاً عن كنوزهم، لكنهم لم يجدوها على الإطلاق.
كان قلبه يخيفه أحياناً، من احتمال فكرة عدم توفقه في إدراك الكنز، أو احتمال موته في الصحراء، أو كان يقول له بأنه الآن راضٍ من فوزه بلقاء حبه واكتسابه العدد كبير من القطع الذهبيّة.
- قلبي خائن ـ قال الشاب للخيميائي عندما توقفا لإراحة حصانيهما ـ إنه لا يريد لي أن أتابع طريقي.
أجاب الخيميائي:

- هذا جيّد، فهذا برهان على أن قلبك يحيا، وإنه لشيء طبيعي أن تخاف مبادلة كل مانجحت في الحصول عليه من قبل مقابل حلم.
- إذن لماذا عليّ أن أصغي إلى قلبي؟
- لأنك لن تتوصل أبداً إلى إسكاته، حتى لو تظاهرت بعدم سماع ما يقوله لك، سيبقى هنا في صدرك، ولن ينقطع عن ترديد مايفكّر به حول الحياة والكون.
- حتى وهو خائن.
- الخيانة هي الضربة التي لاتتوقعها، وإن كنتَ تعرف قلبك جيّداً، فإنه لن يستطيع مباغتتك على حين غرّة، لأنك ستعرف أحلامه، ورغباته وستعرب كيف تتحسب لها، لا أحد يستطيع التنكّر لقلبه، ولهذا يكون من الأفضل سماع مايقول كي لايوجه لك ضربة لم تكن تتوقعها أبداً.
تابع الفتى الإصغاء إلى قلبه بينما كانا يتقدّمان في الصحراء، وقد توصّل إلى معرفة حيله ومناوراته، وانتهى إلى قبوله كما هو عليه، عندئذٍ أحجم عن الخوف، وعن الرغبة في العودة على أعقابه، لأن قلبه قال له ذات مساء أنه كان مسروراً: " حتى لو تذمرت قليلاً، فهذا لأنني قلب رجل وقلوب الرجال هي هكذا دوماً، إنهم يخافون تحقيق أعظم أحلامهم، لأنهم يظنون إنهم إما لا يستحقّون بلوغها، أو لا يستطيعون النجاح في بلوغها، فنحن القلوب نموت لمجرّد التفكير بحب توارى إلى الأبد، أو بلحظات وُئِدت، وكان من الممكن لها أن تكون رائعة، وبالكنوز التي لم يُقدّر لها أن تُكتشف وبقيت مطمورة في الرمال، وأخيراً عندما يحصل هذا فإننا نتعذّب بشكل رهيب ".
- إن قلبي يخشى العذاب ـ قال الشاب للخيميائي في ليلة كانا يراقبان فيها السماء المظلمة.
- قل له إن الخوف من العذاب أسوأ من العذاب نفسه، وليس هناك من قلب يتعذّب عندما يتبع أحلامه، لأن كل لحظة من البحث هي لحظة لقاء مع الله و الخلود.
- كل لحظة في البحث هي لحظة لقاء ـ قال الشاب لقلبه ـ عندما كنت أبحث عن كنزي، فإن أيامي كلها كانت ساطعة، لأنني علمت أن كل ساعة تمر كانت جزءاً من حلم إيجاده، عندما كنت أبحث عن كنزي اكتشفت في طرقي أشياء لم أكن أحلم أبداً بمصادفتها لو لم أملك الشجاعة لمحاولة القيام بأشياء مستحيلة على الرعاة.
دبت الطمأنينة في قلبه طيلة مابعد ظهيرة ذلك اليوم، وفي الليل نام بهدوء، وعندما أفاق أخذ قلبه يقصّ عليه أشياء عن النفس الكليّة، قال إن كل رجل سعيد كان هو ذاك الذي اعتنق الله في داخله، وأنه يمكن للسعادة أن تكون موجودة في حبة رمل بسيطة في الصحراء على حد قول الخيميائي، لأن حبة الرمل هي لحظة من عملية الخلق، وأن الكون قد كرّس ملايين وملايين السنين في خلقها.
- " لكل امرئ على الأرض كنزه الذي ينتظره ـ قال له قلبه ـ فنحن القلوب، نادراً مانتحدّث عنها، لأن البشر لايريدون العثور على هذه الكنوز، نحن لا نتحدّث عنها إلا للأطفال الصغار، وبعد ذلك ندع للحياة أن تتحمّل مسئولية قيادة كل واحد نحو قدره، ولسوء الحظ فإن قليلاً من البشر يتبعون الدرب الذي خطّته لهم الحياة، والذي هو سبيل الوصول إلى الأسطورة الشخصيّة وإلى السعادة.
جلّ الناس ينظرون إلى العالم كمصدر تهديد، ولهذا السبب فإن العالم يصبح في الواقع شيئاً مهدداً، عندئذٍ فإننا نحن القلوب نبادر إلى الحديث بصوت منخفض أكثر فأكثر لكننا لانصمت إطلاقاً، ونتمنّى بألا يكون كلامنا مسموعاً، نحن لانريد للبشر أن يتعذّبوا لأنهم لم يسلكوا الطريق التي أرشدناهم إليها ".
- لماذا لاتقول القلوب للناس أن عليهم ملاحقة أحلامهم ؟ سأل الشاب الخيميائي.
- لأن القلب هو من يتعذّب في هذه الحالة، والقلوب لاتحب العذاب.
منذ ذلك اليوم، أصغى الشاب إلى قلبه فطلب منه ألا يتخلّى عنه أبداً، وأن ينقبض في صدره عندما يكون بعيداً عن أحلامه وأن يعطيه إنذار الخطر، وأقسم أنه سيأخذ حذره في كل مرة يسمع فيها هذا الإنذار.
- ماذا عليّ أن أفعل الآن؟ سأل الشاب.
قال الخيميائي:
- واصل السير باتجاه الأهرامات، وابق متيقظاً للعلامات، فقلبك الآن قادر أن يدلّك على مكان الكنز.
- كان هذا إذن ما أجهله حتى الآن ؟!
- لا، والشيء الذي ماتزال معرفتك تفتقر إليه هو التالي:
" قبل تحقيق حلم ما، تريد النفس الكليّة أن تُقوّم كل ما اكتسبه المرء أثناء تجواله، وعندما تفعل، فليس ذلك نتيجة عدوانيّة تجاهنا، وإنما كي نستطيع وحلمنا اكتساب الدروس التي تعلمناها ونحن ماضون نحوها، إنها اللحظة التي يتراجع فيها معظم الناس، وهذا مانسميه بلغة الصحراء: الموت عطشاً عندما تكون أشجار النخيل على مرمى النظر في الأفق. إن أي بحث يبدأ بحظ المبتدئ، ويكتمل بامتحان الفاتح ".

تذكّر الشاب المثل الشعبي القديم والشائع في بلده الذي يقول:
" أشدّ ساعات اليوم ظلمة هي تلك التي تسبق طلوع الشمس ".


× × ×


أولى إشارات الخطر الحقيقي بدت في الغد، فقد ظهر ثلاث محاربين، وسألوا المسارفين لدى اقترابهم منها، عمَّ كانا يفعلان هناك.
أجاب الخيميائي:
- جئت لأصطاد مع صقري.
- علينا أن نفتّشكما كي نرى إن كنتما لاتحملان أسحلة ـ قال أحد المقاتلين.
نزل الخيميائي عن حصانه بكل هدوء، وصاحبه حذا حذوه.
- لماذا كل هذا المال؟ سأل المقاتل لذى رؤيته كيس نقود الشاب.
- للوصول حتى مصر.
الرجل الذي كان يفتّش الخيميائي وجد معه قارورة صغيرة من الزجاج مليئة بسائل، وبيضة من الزجاج صفراء اللون بحجم بيضة الدجاج تقريباً.
- ماهذا؟ سأل.
- إنه حجر الفلاسفة، وإكسير الحياة، إنجاز الخيميائيين العظيم، من يشرب من هذا السائل لن يتعرّض للمرض أبداً، وإن كسرة صغيرة جداً من هذا الحجر تحوّل أي معدن إلى ذهب.
انفجر الرجال الثلاثة ضحكاً، وشاركهم الخيميائي بالضحك، فقد وجدوا الجواب مضحكاً، ثم سمحوا لهما بالذهاب مع كل مايملكانه دون أن يعرقلا مسيرتهما أكثر.
- هل أنت مجنون ؟! ـ سأل الشاب، عندما صارا على مسافة منهم ـ لماذا أجبتَ هكذا؟
- كي أظهر لك واحداً من قوانين العالم، قانوناً بسيطاً للغاية: " عندما تكون كنوزنا قريبة جداً منا، فإننا لا نلاحظها أبداً، أتعلم لماذا؟ لأن الناس لا يؤمنون بالكنوز ".
تابعا مسيرهما في الصحراء، وكلما كانت الأيام تمرّ كان قلب الشاب يميل أكثر فأكثر إلى الصمت. لم يكن ليهتم بأشياء الماضي أو المستقبل بل اكتفى بتأمل الصحراء والارتواء مع الشاب من النفس الكليّة. فقلبه وهو صارا صديقين حميمين غير قادرين بعد الآن على أن يخون أحدهما الآخر.
فعندما كان القلم يتكلّم، كان بقصد حث وتشجيع الشاب الذي كان يجد أيام الصمت الطويلة متعبة بشكل مقيت، وللمرة الأولى حدّثه قلبه عن مزاياه العظيمة: الشجاعة التي هوّنت عليه هجران أغنامه ليعيش أسطورته الشخصيّة، والحماس الذي أبداه في متجر الزجاجيّات.
أخبره بشي آخر لم يلاحظه الشاب من قبل: الأخطار التي كان يسير بمحاذاتها ولم يتبيّنها، ففي إحدى المرّات كان قد أخفى المسدس الذي اختلسه من أبيه، وأوشك فعلاً أن يصيب نفسه به، ذكّره في يوم كان قد تألّم فيه، وهو في وسط الريف: تقيأ، ثم نام زمناً لابأس به، بينما كان هناك اثنان من قطّاع الطرق على مسافة منه، وكانا قد عزما على سرقة أغنامه واغتياله، وعندما لم يأت فقد رحلا ظناً منهما بأنه غيّر خط سيره.
سأل الشاب الخيميائي:
- هل القلوب تكون عوناً للناس دائماً؟
- إنها تساعد فقط الذين يعيشون أسطورتهم الشخصيّة، لكنها تساعد كثيراً الأطفال، والسكّيرين والمسنّين.
- هل هذا يعني أن الخطر لاوجود له؟
- هذا يعني بكل بساطة أن القلوب تعمل كل مابوسعها ـ أجاب الخيميائي.
مرّا ذات مساء على مضرب خيام لإحدى العشائر المتحاربة، حيث كان هناك الكثير من الأعراب بزيّهم الرائع، وأسلحتهم الجاهزة، كان الرجال يدخّنون النرجيلة ويثرثرون، متحدّثين عن الحروب، لكن أحداً لم يعر اهتماماً للمسافرين.
- لايوجد أي خطر ـ قال الشاب بعد أن ابتعدا.
غضب الخيميائي قائلاً:
- ثق بقلبك، ولاتنسَ أبداً أنك في الصحراء، فعندما يتحارب الناس فإن النفس الكليّة هي أيضاً تسمع صيحات القتال، ولا أحد في منجى مما يمكن أن يحصل تحت السماء.
- كل شيء هو شيء واحد وفريد ـ قال الشاب في نفسه.
وفجأة ظهر فارسان وراء المسافرين، فكأن الصحراء كانت تريد أن تثبت حكمة الخيميائي الشيخ.
قال أحدهما:
- لن تستطيعا المضي بعيداً، فأنتما في منطقة المعارك.
- أنا لستُ بذاهب إلى أبعد من ذلك.

قال الخيميائي وهو ينظر في عيون المحاربين اللذين لم ينبسا ببنت شفة للحظات، ثم أذنا لهما بمتابعة المسير، كان الشاب قد عاين الموقف وهو مفتون.
- لقد قهرتهما بنظرتك ـ قال.
أجاب الخيميائي:
- العيون تظهر قوّة الروح.
- كان هذا صحيحاً ـ حدّث الشاب نفسه ـ فقد تذكّر أن مقاتلاً في جمهرة محاربي المخيّم قد حدّق بالخيميائي وبه، علماً بأنه كان بعيداً، بشكل لا يمكن للمرء أن يميّز ملامحه، لكنه كان متأكداً من مراقبته لهما.
أخيراً، وبينما كانا يتأهّبان لاجتياز سلسة جبلية كانت تمتج على طول الأفق، قال الخيميائي بأنهما صارا على مسافة يومين، حتى يصلا إلى الأهرامات.
- إن كان ينغي علينا أن نفترق عما قريب، فأرجو أن تعلّمني الخيمياء ـ قال الشاب.
- أنت تعرف مسبقاً مايجب عليك معرفته، ليس عليك إلا أن تنفذ داخل النفس الكليّة، وأن تكتشف الكنز، الذي تدّخره لكل واحد منا.
- ليس هذا ما أريد معرفته، إنني أتكلّم عن تحويل الرصاص إلى ذهب.
احترم الخيميائي صمت الصحراء، ولم يجب إلا في اللحظة التي توقفا فيها كي يأكلا:
- كل شيء يتطوّر في الكون، وبالنسبة للذين يعلمون، فإن الذهب هو أكثر المعادة تطوّراً، لاتسألني لماذا، فأنا أجهل ذلك، أنا أعلم فقط أن ما تعلمه التقاليد هو دائماً صحيح، لكن البشر هم الذين أخطئوا في تفسير كلام الحكماء، وبدل أن يكون الذهب رمزاً للتطوّر فقد صار علامة للحرب.
- الأشياء تتحدّث بلغات عديدة، فقد لاحظت أن رغاء الجمل، لم يكن إلا مجرّد رغاء، ثم تحوّل إلى إشارة تنذر بالخطر، ثم عاد أخيراً مجرّد رغاء ـ أراد الشاب أن يقوله لكنّه صمت، فلا شك أن الخيميائي يعرف هذا كلّه.
- عرفت خيميائيين حقيقين ـ أردف الخيميائي ـ كانوا ينزوون في مختبراتهم، وكانوا يحاولون التطوّر كالذهب، وقد اكتشفوا حجر الفلاسفة، هذا لأنهم قد أدركوا أنه عندما يتطوّر شيء ما فإن كل ماحوله يتطوّر أيضاً، وآخرون نجحوا مصادفة باكتشاف الحجر، فهم كانوا من الموهوبين، وأرواحهم كانت متيقظة أكثر من أرواح الآخرين، لكن هؤلاء لم يُؤخذوا بالحسبان لأنهم قلة، وأخيراً هناك آخرون كانوا يبحثون عن الذهب فقط، وهؤلاء لم يتوصلوا إلى السر أبداً، فقد غرب عن بالهم أن الرصاص والحديد والنحاس، هم أيضاً لهم أسطورتهم الشخصيّة التي يجم اتمامها، وأن من يدخل ويندمج في أسطورة الآخرين، فإنه لن يجد على الإطلاق اسطورته الخاصة.
كلمات الخيميائي كان لها وقع اللعنة في نفسه.
انحنى الخيميائي والتقط قوقعة من الأرض وقال:
- لقد كانت هذه الأرض بحراً من قبل.
- لقد سبق ولاحظتُ ذلك ـ ردّد الشاب.
طلب منه الخيميائي أن يضع القوقعة على أذنه، فهو قد قام بهذه الحركة كثيراً عندما كان طفلاً، وقد سمع منها صوت البحر. فالبحر يقبع دائماً في هذه الصدفة، لأنها أسطورته الشخصية، ولن يفارقها إلى أن تعود البحار وتغمر الصحراء ثانية.
إثر ذلك امتطيا حصانيهما، وأخذا وجهة أهرامات مصر.
كانت الشمس تميل نحو الغروب، عندما أحسّ الفتى بأن قلبه يعطي إشارة خطر ما، كانا قد أُحيطا بكثبان رميلة هائلة، والشاب نظر إلى الخيميائي، الذي يبدو أنه لم يلاحظ شيئاً، وبعد خمس دقائق لمحا أمامهما مباشرة فارسين، كان خيالاهما يبدوان واضحين من جهة الغرب، وقبل أن يتمكّن من أن يقول للخيميائي أي شيء، فإن عدد الفرسان قد تزايد، بدل الاثنين صار هناك عشرة، ثم مائة. وأخيراً غطّى عدد هائل منطقة الكثبان بكاملها.
كانوا محاربين يرتدون ثياباً زرقاء، ويضعون عقالات سوداء حول العمامات، وجوههم ملثّمة بألثمة زرقاء لا يظهر منها إلا فسحة صغيرة، إنها عيونهم. وعلى الرغم من بعد المسافة، كانت العيون تبدي قوة الروح وتنطق بالموت.

× × ×

اقتيد المسافران حتى المعسكر الحربي الذي كان في الجوار، ودفع أحد المحاربين الخيميائي وصاحبه داخل خيمة مختلفة تماماً عن خيام الواحة التي عرفاها، كان هناك قائد حربي محاط بأركانه.
- إنهما الجاسوسان ـ قال أحد الرجال.
- نحن لسنا إلا مسافرين ـ أجاب الخيميائي.
- لقد رأيناكما في المعسكر المعادي منذ ثلاثة أيام، وقد تكلّمتما مع أحد المقاتلين.
- أنا رجل أسير في الصحراء، ولي خبرة بالنجوم ـ قال الخيميائي ـ وليس لدي أية معلومة عن الجيوش، أو عن تحرّكات القبائل، كنت أرشد صاحبي إلى هنا فقط.
- من هو صديقك؟ سأل الشيخ.
- إنه خيميائي ـ قال الخيميائي ـ إنه يعرف قدرات الطبيعة، ويرغب أن يطلع القائد على قدراته الخارقة.
كان الشاب يصغي وهو خائف.
- ماذا يفعل غريب في أرضٍ غريبة؟ سأل وحد من الرجال.
- لقد حملت مالاً لأقدّمه لعشيرتكم ـ تدخّل الخيميائي قبل أن ينطق الشاب بأية كلمة، ثم أخذ كيس المال من الشاب، وأعطى القطع الذهبية لكبير القوم الذي تناولها دون أن يقول شيئاً، ففيها مايكفي لشراء كمٍّ كبير من الأسلحة.
- من هو الخيميائي؟ سأل العربي أخيراً.
- إنه رجل يعرف الطبيعة والكون، ولو أراد لاستطاع تهديم هذا المخيّم مستعملاً في ذلك قوّة الريح فقط.
ضحك الرجال، فقد كانوا قد تمرّسوا على قسوة الحرب، وكانوا يعلمون أن الريح لا تستطيع أن توجه ضربة قاضية. ومع ذلك شعر كل واحد منهم بقلبه ينقيض في صدره، فهم من رجال الصحراء ويخافون من السحرة.
- بودي أن أرى شيئاً من هذا ـ قال الزعيم.
- يلزمنا لذلك ثلاثة أيام ـ أجاب الخيميائي ـ وهذا ليس إلا ليطلعكم على قدراته الخاصة، فإن لم ينجح، نقدّم لكم بكل تواضع حياتنا إكراماً لشرف العشيرة.
- لاتستطيع أن تهدي إليّ ماهو ملكي مسبقاً ـ أعلن الشيخ بتعجرف، لكنه منح مهلة ثلاثة أيام للمسافرين.
كان الشاب الذعور عاجزاً عن القيام بأية حركة، فانبغى على الخيميائي سحبه من ذراعه كي يساعده على الخروج من الخيمة.
- لاتظهر لهم أنك خائف، فهم رجالٌ بواسل ويحتقرون الجبناء.
كان الفتى كالمبكوم، ولم يستعد صوته إلا بعد فترة من الزمن بينما كانا يمشيان وسط المخيّم. لم يكن هناك داع لسجنهما، فالأعربا بكل بساطة قد اكتفوا بانتزاع حصانيهما، وهاهي مرة أخرى يفصح فيها العالم عن لغات لاتحصى: فالصحراء التي كانت حتى الآن فضاءً رحباً، لاحدود له، قد تحوّلت إلى سور يتعذّر عبوره.

- لقد أعطيتهم كنزي كله ـ قال الشاب ـ كل ماستطعت أن أجنيه خلال حياتي كلها !
- وبماذا يفيدك المال إن كنت ستموت؟ مالك أنقذك من الموت لثلائة أيام، وليس غالباً أن يفيد المال في تأخير الأجل.
أما الشاب فقد كان مذعوراً جداً كي يستطيع سماع كلام الحكمة، فهو لايعرف كيف ينقلب إلى ريح، فهو لم يكن خيميائياً.
طلب الخيميائي الشاي من أحد المحاربين، وسكب بعضاً منه على رسغي الشاب، فانتشرب موجة من السكون في أعماقه، بينما كان الخيميائي يلفظ بعض الكلمات التي لم يوفّق الفتى بفهمها.
لاتستسلم لليأس ـ قال الخيميائي بصوت عذب للغاية ـ فإن هذا يمنعك من التحادث مع قلبك.
- لكنني لا أعرف أن أحوّل نفسي إلى ريح.
من يعيش أسطورته الشخصيّة، يعرف كل ماهو بحاجة لمعرفته، وليس هناك إلا شيء واحد يمكن أن يجعل الحلم مستحيلاً: إنه الخوف من الإخفاق.
- أنا لستُ خائفاً من الإخفاق، وكل مافي الأمر أنني لا أعرف أن أتحوّل إلى ريخ.
- حسنٌ، عليك أن تتعلّم ! حياتك معلّقة بذلك.
- وإن لم أتوصل إلى ذلك.
- ستموت فداءً لنضالك في سبيل أسطورتك الشخصيّة، وهذه ميتى أثمن بكثير من ميتة هؤلاء الذين قضوا دون أن يعلموا شيئاً من وجود أسطورة شخصيّة، لكن لا تقلق، بشكل عام، فإن الموت يدفع الإنسان لأن يكون أكثر تيقّظاً للحياة.
مضى اليوم الأول، وجرت خلاله معركة حامية في الجوار، ونُقل إلى المعكسر عدد كبير من الجرحى.

- لاشيء يتغيّر بالموت ـ فكّر الشاب ، فالمقاتلون الذين ماتوا، سيستعاض عنهم بآخرين والحياة تستمر.
- كان من الممكن لك أن تموت فيما بعد يا صديقي ـ قال أحدهم مخاطباً جثة أحد رفاقة ـ كان من الممكن أن تموت حين حلول السلام، فهي ميتة واحدة، ومهما يكن من أمر فإنك ستموت في النهاية.
عند المساء ذهب الشاء يلتقي الخيميائي الذي كان يصطحب الصقر معه في الصحراء وكرّر:
- لا أعرف كيف أتحوّل إلى ريح.
- تذكّر ماقلته لك: " العالم ليس إلا الجزء المرئي من الله، والخيمياء هي نقل للكمال الروحي إلى العالم المادي " .
- ماذا تفعل؟
- أطعم صقري.
- إن لم أنجح في التحوّل إلى ريح، ستموت، فما الحاجة إلى إطعام الصقر؟
- أنت ستموت ـ أجاب الخيميائي ـ أما أنا، أنا أعرف كيف أتحوّل إلى ريح.
في اليوم الثاني تسلّق الشاب ذروة صخرة تقع على مقربة من المعسكر، وقد تركه الخفراء يمر، كانوا يتحدّثون عن ساحر يتحوّل إلى ريح، ولم يكونوا يودون الاقتراب منه، بالاضافة إلى ذلك فإن الصحراء كانت تشكّل سوراً يتعذّر عبوره.
قضى بقيّة ظهيرة اليوم الثاني في تأمّل الصحراء، أصغى إلى قلبه، وأصغت الصحراء إلى الخوف الذي يتملّكه.
كلاهما كان يتكلّم اللغة نفسها.
في اليوم الثالث جمع الزعيم أعوانه الرئيسيين.
- هيا بنا نرَ ذلك الولد الذي يتحوّل إلى ريح ـ قال للخيميائي.
- هيا بنا ـ أجاب الخيميائي.
قادهم الشاب إلى المكان الذي كان قد جاء إليه يوم أمس، ثم طلب من الجميع أن يجلسوا.
- إن هذا سيتطلّب قليلاً من الوقت ـ قال الخيميائي.
- لسنا مستعجلين ـ أجاب الزعيم ـ فنحن من رجال الصحراء.
أخذ الشاب يتأمل الأفق قبالته، جبال كانت تبدو من بعيد، كثبان رميلة، صخور، ونباتات زاحفة تتشبّث بالحياة، هناك حيث البقاء شبه مستحيل. وحيث كانت تجثم الصحراء التي جابها طيلة شهور وشهور، ولم يكن يعرف منها على الرغم من ذلك إلا جزءاً يسيراً. في ذلك الجزء كان قد التقى إنكليزياً، وقوافل، ونزاعات بين العشائر، وواحة ذات خمسين ألف شجرة نخيل، وثلاثمائة بئراً.
- ماذا تريد مني اليوم ـ سألت الصحراء ـ ألم نتأمّل بعضنا بعضاً كفاية يوم البارحة؟
- أنتِ تحتفظين في مكانٍ ما بتلك التي أحبها، وعندما أتأمل مساحتك الرملية الشاسعة فأنا أتأملها هي أيضاً، أريد الرجوع إليها، وأحتاج إلى مساعدتك كي أتحوّل إلى ريخ
- ماهو الحب؟ سألت الصحراء.
- الحب هو عندما يحلّث الصقر فوق رمالك، لأنك بالنسبة له ريف أخضر، لم يعد منه قط دون فريسة، وهو يعرف صخورك، كثبانك، جبالك، وأنتِ كريمة معه.
قالت الصحراء:
- إن منقار الصقر ينتزع مني قطعاً، هذه الفريسة قد غذّيتها طيلة أعوام، رويتها بالقليل من الماء الذي أملكه، وأرشدها إلى المكان الذي تجد فيه قوّتها، ويوم كبرت وأوشكت أشعر بها تحبو على رمالي، هاهو الصقر ينتفض من السماء ليختطف ما كنتُ جعلته ينمو ويكبر.
- ماكنت فعلته لهذه الطريه من إطعام ورعاية كان لهذه الغاية بالذات ـ أجاب الشاب ، لتطعم الصقر، والصقر سيطعم الإنسان، والإنسان سيطعم رمالك يوماً ما، ومنها ستولد الطريدة من جديد، وهكذا يسير العالم.
- هل هذا هو الحب؟
- هو ذا نعم، هو من يجعل الفريسة تتحوّل إلى صقر، والصقر إلى إنسان، والإنسان إلى تراب، هو من جعل الرصاص يتحوّل إلى ذهب، ويجعل الذهب يعود ليختبئ في بطن الأرض.
- لم أفهم كلامك ـ قالت الصحراء.
- إذن افهمي على الأقل، أن في بقعة ما وسط رمالك هناك امرأة تنتظرني، ولكي أستجيب إلى انتظارها عليَّ أن أتحوّل إلى ريح.
- أقدّم لك رمالي كي تستطيع الريح أن تهب، لكن بمفردي لا أستطيع شيئاً، أطلب مساعدة الريح.
نسمة خفيفة أخذت تهب، وزعماء الحرب كانوا يرقبون من بعيد الشاب الذي كان يتكلّم لغة مجهولة بالنسبة لهم.
الخيميائي كان يبتسم.
وصلت الريح إلى الشاب، وداعبت وجهه، كانت قد سمعت حديثه مع الصحراء، لأن الرياح تعرف دائماً كل شيء، فهي تطوف العالم دون أن يكون لها موقع تولد فيه، أو موقع تموت فيه.
- ساعديني ـ قال الشاب ـ فأنا قد سمعت فيك صوت حبيبتي ذات يوم.
- من علّمك التكلّم بلغة الصحراء والريح؟
- قلبي ـ أجاب الشاب.
الريح كانت تحمل عدة أسماء فهي تدعى هنا بالسيروكو أو السموم، العرب كانوا يعتقدون بأنها كانت تأتي من الأراضي ذات المياه الغزيرة والمأهولة بسكان سود، وفي البلد البعيد الذي قدم منه الشاب كانت تسمّى بالشرقيّة لأن الناس كانوا يظنّون بأنها تحمل الرمل وصيحات العرب القتالية، وربما في مكان آخر بعيد عن الحقول التي ترتعي فيها القطعان، يعتقد الناس فيه بأنها تنشأ في الأندلس.
لكنها لاتولد من جهة، ولاتنتهي إلى جهة، لذلك فهي أقوى من الصحراء، فمن الممكن يوماً أن تنغرس الأشجار في الصحراء، وحتى أن نربّي فيها الأغنام، لكننا لانستطيع إطلاقاً أن نتحكّم بالريح أو نقهرها.
- أنت لاتستطيع أن تكون ريحاً فطبيعتانا مختلفتان ـ قالت الريح للشاب.
- هذا ليس صحيحاً، فأنا قد تعلّمت أسرار الخيمياء، بينما كنت أجوب العالم معك، فأنا أملك في داخلي الرياح، والصحاري، والمحيطات، والنجوم، وكل ماخُلق في الكون، وكلّنا خلقتنا يد واحدة، ولنا الروح نفسها، أريد أن أكون مثلكِ أخترق كل مكان، أعبر البحار، أنتزع الرمل الذي يغطّي كنزي، وأقرّب صوت حبيبتي مني.
- لقد سمعت محادثتك مع الخيميائي، في ذلك اليوم، كان يقول أن لكل شيء أسطورته الشخصيّة، والبشر لا يمكن لهم أن يتحوّلوا إلى ريح.
طلب الشاب:
- علّميني أن أكون ريحاً لبضع لحظات، كي نستطيع التحدّث سويّة عن الامكانات غير المحدودة للرياح والبشر.
كانت الرياح فضولية وكان هناك شيء ما لم تكن تعرفه، علماً بأنها كانت تعرفه الكثير من الأشياء، كانت تستطيع إنشاء صحراء، إغراق مراكب، إبادة غابات بأسرها، وأن تتجوّل في مدن تعج بالموسيقى وأنواع غريبة من الضوضاء. كانت تؤمن بقدراتها اللامحدودة، وهاهي الآن أمام شاب يؤكد أن بإمكان الريح أن تقوم بأشياء أخرى.
- هذا مايسمّونه الحب ـ قال الشاب لدى رؤيته أن الريح قد أوشكت أن تستجيب لطلبه ـ وعندما نحب، نستطيع أن نكون شيئاً من الخليقة، ولسنا بحاجة لفهم مايجري، لأن كل شيء إنما يجري في داخلنا، وإن الناس يستطيعون أن يتحولوا إلى ريح بشرط أن تساعدهم الريح طبعاً.
كانت الريح متعالية، وماقاله الشاب أثار سخطها، فراحت تعصب بقوّة كبيرة، مذرية رمال الصحراء، لكن عليها أن تعترف أنها وبعد كل هذا التطواف في العالم بأسره، فهي مازالت تجهل تحويل رجل إلى ريح، وانها لم تكن تعرف الحب.
قالت الريح:
- خلال جولاتي عبر العالم لاحظت، الكثير من الناس يتحدّثون عن الحب، وهم ينظرون إلى السماء ساخطين لأن عليهم أن يسلّموا بحدودها، ربما من الأفضل لك أن تستعيد بالسماء.
أجاب الشاب:
- إذن ساعديني، وغطي هذا المكان بالغبار، كي أستطيع النظر في الشمس دون أن أصاب بالعمى.
عصفت الريح بشكل أقوى، فاكتسحت الرمال وجه السماء حتى بدت السماء مجرّد قرص ذهبي.
في المعسكر، صار من الصعب تمييز أي كان، فرجال الصحراء خبروا جيّداً هذه الريح، ريح السموم، كانت أسوأ من عاصفة البحر، لكنهم لا يعرفون البحر، وأخذت الخيول تصهل، والأسلحة تغطّت بالرمال.
على الصخرة التفت رجل من أعيان الحرب نحو الزعيم وقال:
- ربما سيكون من الأقضل التوقف عند هذا الحد.
كانوا يميّزون بصعوبة الشاب، كانت وجوهم ملثّمة، ونظراتهم يبدو فيها القلق والذعر.
- لننهِ الأمر ـ ألحّ رجل أعيان حرب آخر.
- أريد أن أرى عظمة الله، قال الزعيم بصوت فيه كل الخشوع ـ أريد أن أرى تحوّل رجل إلى ريح.
لكنه سجّل في ذهنه اسمي هذين الرجلين الخانثين، وبمجرّد أن تهدأ الريح، سيخلعهما من مهامهما فليس من حق رجال الصحراء أن يخافوا.
قال الشاب للشمس:

- أخبرتني الريح بأنك تعرفين الحب، وإن كنت تعرفين الحب فلابد أنك تعرفين النفس الكليّة التي خُلقت من الحب.
اجابت الشمس:
- من مكاني هذا أستطيع رؤية النفس الكليّة، فهي على اتصال مع روحي، ومع تعاوننا نحن الإثنين تنمو النباتات، وتندفع الأغنام التي تبحث عن الظل، ومن حيث أنا استطعت أن أحب، قدرتُ أن أحب من مكاني هذا، واعلم أنني لو اقتربت قليلاً من الأرض لأنقرض كل ماعليها، ولتوقّفت النفس الكليّة عن الوجود، وهكذا فنحن الإثنين نتبادل النظر ونحب بعضنا بعضاً، فأنا أمدّها بالحياة والحرارة، وهي تعطيني سبب البقاء.
كرّر الشاب:
- أنتِ تعرفين الحب؟
تابعت الشمس:
- إنني أعرف النفس الكليّة، لأن بيننا أحاديث لاتنتهي أثناء سفرنا الأبدي في هذا الكون، لقد حدّثتني بأن أفدح مشكلاتها حتى الآن هو أن المعادن والنباتات وحدها فقط، قد أدركت أن كل شيء هو واحد وفريد، لهذا فإنه ليس من الضروري أن يكون الحديد مشابهاً للنحاس، والنحاس مشابهاً للذهب، فكل يشغل وظيفته الدقيقة في هذا الشيء الأوحد، وسوف يكون من الكل سيمفونية السلام، لو أن اليد التي كتبت كل هذا توقفت في اليوم الخامس، لكن كان هناك يوم سادس.

قال الشاب:
- أنتِ عالمة لأنكِ ترين كل شيء عن بعد، لكنكِ لا تعرفين الحب، لو لم يكن هناك اليوم السادس، لما وُجد الإنسان، ولكان النحاس نحاساً، والرصاص رصاصاً. لكل أسطورته الشخصيّة ـ هذا صحيح ـ لكن هذه الأسطورة ستكتمل ذات يوم، فيجب التحوّل إلى ماهو أرقى، إلى أسطورة شخصيّة جديدة، إلى أن تصبح النفس الكليّة حقاً شيئاً واحداً وفريداً.
ظلّت الشمس حالمة، ثم أخذت تلمع لمعاناً عجيباً، والريح التي كانت معجبة بهذه المحادثة عصفت بقوة أيضاً كي لاتذهب الشمس ببصر الشاب.
- لهذا وُجدت الخيمياء ـ قال هذا الأخير ـ كي يبحث كل انسان عن كنزه ويجده، ويسعى أن يعيش فيما بعد أفضل مما كان عليه، والرصاص سيقوم بدوره إلى أن يصبح العالم بغنى عنه، عندئذٍ ينبغي عليه أن يتحوّل إلى ذهب.
الخيميائيون يتوصّلون إلى تحقيق هذا التحوّل، ويبيّنون لنا أنه عندما نسعى لأن نكون أفضل مما نحن عليه، فإن كل شيء حولنا يتحسّن.
سألت الشمس:
- ولماذا قلت أنني لا أعرف الحب؟
- لأن الحب لا يستدعي الجمود كالصحراء، ولا تجواب العالم كالريح، ولا النظر في كل شيء من بعيد مثلك. الحب هو القوّة التي تحوّل وتصقل النفس الكليّة، فعندما دخلت عالمها للمرة الأولى، كنت أظنها كاملة، أما فيها بعد، فقد رأيت أنها كانت انعكاساً لكل ماخُلق وكانت لها نزعاتها وأهواؤها، نحن الذين نغذّي النفس الكليّة، أما الأرض التي نحيا عليها، فإنها ستصبح بأفضل أو أسوأ، بقدر مانكون نحن أفصل أو أسوأ، وهنا تتدخّل قوة الحب، لأننا عندما نحب فإننا لانريد دائماً أن نكون أفضل مما نحن عليه.
- ماذا تنتظر مني؟ سألت الشمس
- أن تساعديني كي أتحوّل إلى ريح.
- الطبيعة تعرفني كأكبر عالمة بين كل المخلوقات، لكنني أجهل كيف أحوّلك إلى ريح.
- إلى من أتوّجه إذن؟
- صمتت الشمس لحظة، وكانت الريح تصغي وتستعد لتفشي في العالم بأسره محدودية علمها، فلم يكن بوسعها التهرّب من هذا الشاب الذي كان يتكلّم اللغة الكونية.
- توجّه إلى اليد التي كتبت كل شيء ـ قالت الشمس أخيراً.
أطلقت الريح صرخة رضى، وهبّت بقوة لاعهد لها بها، اقتلعت الخيام المنتصبة في الصحراء، وتحررت الحيوانات من قيودها، وعلى الصخرة صار الناس يتشبّثون ببعضهم خوفاً من أن تحملهم الريح.
عندئذٍ التفت الشاب إلى اليد التي كتبت كل شيء، وبدل أن يقول أدنى كلمة، فقد أحس أن الكون كلّه مكث من حوله صامتاً، ومكث هو صامتاً أيضاً.
اندفاع من الحب انبثق من قلبه، وأخذ بالصلاة، صلاة لم يفعل مثلها من قبل، لأنها كانت صلاة من دون كلام، لم يطلب شيئاً من خلالها، لم يكن يشكر لأنه وجد مرعىً لأغنامه، لم يكن يبتهل لأنه باع المزيد من الزجاجيّات، لم يكن يطلب أن تنتظر المرأة التي التقاها عودته.
لكنه أدرك من خلال الصمت الذي خيّم، أن الصحراء والريح والشمس، كانت هي أيضاً تبحث عن العلامات، التي كانت تلك اليد قد خطّتها، وكانت تريد متابعة طريقها، وتدرك ماكان منقوشاً على زمرّدة بسيطة، كان يعلم أن هذه العلامات منتشرة على الأرض وفي الفضاء والتي ليس لوجودها أي مبرر من حيث الظاهر، أي معنى، بحيث أن لا الصحارى، ولا الريح ولا االشمس، ولا البشر في النهاية لم يكونوا ليعلموا لماذا خُلقوا، لكن تلك اليد كان لها سببها بالنسبة لكل هذا وهي وحدها القادرة، على صنع المعجزات، وتحويل المحيطات إلى صحاري، والبشر إلى ريح، لأنها وحدها التي تفهم أن هناك هدفاً سامياً دفع الكون إلى النقطة التي تحوّلت فيها أيام الخلق الستة إلى إنجاز عظيم.
واندمج الشاب في النفس الكليّة، ورأى أن النفس الكليّة هي جزء من روح الإله، وأن روح الإله هي روحه الخاصة.
وأنه كان يستطيع منذ ذلك الوقت أن يحقق المعجزات. هبّت رياح السموم في ذلك اليوم على نحو لم يسبق له مثيل على الإطلاق، وعلى مدى أجيال فإن العرب كانوا يروون أسطورة شاب كان قد تحوّل إلى ريح، وكاد أن يزيل معسكراً متحدّياً بذلك بأس أهم زعيم حربي من زعماء الصحراء.
عندما توقفت ريح السموم عن العصف، حملقوا كلّهم باتجاه المكان الذي كان فيه الشاب الذي لم يعد هناك، بل كان في الجانب الآخر يراقب العاصفة.
كان الناس مذعورين من الشعوذة، وشخصان كانا يبتسمان آنذاك: الخيميائي لأنه وجد تلميذه الحقيقي، ثم الزعيم، لأن هذا التلميذ قد أدرك مجد الإله.
وفي الغد ودّع الزعيم الشاب والخيميائي، وسيّر معهما موكباً من الحرس ليرافقهما إلى المكان الذي يبغيان الذهاب إليه.