من كاتم الصوت إلى كتم الأنفاس
مقال يوسف أبو لوز
دار الخليج



الاغتيال هو الاغتيال، فعل قبيح ومرفوض إنسانياً وقانونياً بكل أشكاله، فهناك منه التصفية الجسدية، وهناك الاغتيال المعنوي عبر تشويه صورة الضحية والتشهير بها وتدميرها اجتماعياً وأخلاقياً، وهناك الاغتيال الفكري والثقافي والوجداني، وهناك اغتيال الروح عبر نزع أي حارس ايماني حولها، كما هناك اغتيال الضمير باستدراجه إلى أن يصبح سلعة رخيصة في السوق السوداء .




القتل في حالة الاغتيال السياسي هو الأداة المباشرة في التنفيذ، وفي ديننا الإسلامي الإنساني والحضاري من قتل نفساً بغير حق كمن قتل الناس جميعاً، لكن عندما يصل شخص ما أو مجموعة من الأفراد إلى هذا الدرك الأسفل، ويقبلون، تحت أي ذرائع ومبررات، تصفية إنسان ومحو حياته، فإنما يكون قد وصل الأمر بقلوبهم إلى الموت قبل موت الضحية .




تعددت أشكال الاغتيال السياسي، فمن كاتم الصوت إلى كتم الأنفاس، ومن استخدام السم إلى استخدام السيارة المفخخة ومن الاختطاف إلى عتمة السجن وتجريب أكثر أنواع التعذيب سادية وعصابية، وكل هذه المشاهد التي يقشعر ويشيب لها بدن الطفل تقع كلها، أو أغلبها، على خلفيات سياسية، وتحركها عادة المصالح والحسابات وشهوة الانتقام والأخذ بالثأر والرغبة في تأكيد الذات المسيطرة والمغرورة التي تدير ظهرها للأعراف الدولية والقانون الدولي، كما تفعل دائماً أدوات الاغتيال التاريخية في الكيان الصهيوني .




في العالم كله، وليس في الوطن العربي فقط، يمكن معاينة هذه الصورة الدموية التي يذهب ضحيتها أشخاص عاديون ولكنهم يحملون رأياً أو يدافعون عن موقف مبدئي، وأحياناً كل ذنبهم أنهم ينبهون الجمال من نومه ليستيقظ في الصباح الباكر ويشرب القهوة مع الأطفال .




من هؤلاء، غسان كنفاني، الروائي والرسام والوسيم مثل شجرة . طلع من زرد الظهر الفلسطيني بحفنة من الكلمات المضيئة، وكان يبتسم حتى للألم، وكانت طريقته في النضال من أجل استرجاع بلاده فلسطين هي الكتابة والحب، لكن القاتل “الإسرائيلي” كانت تغيظه هذه الطريقة وتثير أعصابه، لذلك، تم اغتياله بفكر تصفوي سياسي بحت، وذلك بتفجيره سيارة ملغومة ليموت غسان كنفاني في مشهد بالغ الرعب هو وطفلة كانت تجلس إلى جواره في السيارة التي أصبحت عجينة من الحديد في بيروت .




أحدث أشكال الاغتيال السياسي كانت طريقة قد تكون جديدة وهي الخنق بكتم أنفاس المبحوح . . فمتى ينتهي كل هذا الشر، ويعيش الإنسان وهو يتنفس الهواء وعطر الشجرة . . التي لا هي شرقية ولا هي غربية، لا هي في رام الله ولا هي في غزة؟