طــريق مقال حبيب الصايغ
دار الخليج
عندما قالت قارئة الفنجان كلمتها، طلبت فنجاناً آخر من القهوة، ومضيت في طريقي . على جانبي الطريق كانت الأغصان الخضر المزهوة تطول أكثر، وتتأقلم أكثر مع مفردات البيئة من حولها، وكان الطقس ربيعياً مائلاً إلى البرودة قليلاً . كنت أمشي وحدي، فلا أعد الخطوات، ولا أحلم بالمستحيل . لم أطلب، في الأصل، من قارئة الفنجان شيئاً . رأيتها في دربي مصادفة، ومصادفة طلبت مني قراءة فنجاني .
قالت لي إن طريقي أسود، وإنني قد أتعثر بعد قليل من كثرة العتمة، وقد أقع على ظهري، فينكسر عمودي الفقري . قالت لي حذار من قيادة السيارة في خلال شهري مارس وابريل .
قالت لي إن الفخاخ متربصة، وحذرتني من كائنات مارقة تنتمي إلى قبيلتي الإنس والجن .
قالت قارئة الفنجان كلاماً كثيراً بعضه مفهوم، ومعظمه غير مفهوم، وأقرب إلى الطلاسم، لكنني طلبت فنجان قهوة ثانياً، ومضيت في طريقي .
كان القمر في حالة اكتماله، وكنت أسير في ضوء القمر، فأشعر بأنني أرى، وأنه لا خوف، وفي تلك اللحظة وصلت إلى طريق مسدود: جدار هائل، وكان عليّ أن أعود، كما بدا لي ساعتئذ، من حيث أتيت .
قلت لست مهيأ للرجوع . أنا إنسان منذور للوصول والنهايات السعيدة، ولذلك كنت أفضل، طول عمري، التفرج على الأفلام العربية القديمة بالأبيض والأسود، حيث يتزوج الأبطال دائماً قبل إسدال الستار .
ومضيت في طريقي، وعندما رأيت قارئة الفنجان مرة ثانية، ويا للمفاجأة الملعونة ثانية، رميت فنجاني بعيداً، من أعلى الجبل إلى السفح إلى قعر الوادي، حتى انكسر بل تفتت .
قالت لي لقد تفتت حظك، فيا حسرتي عليك!
وهنا صدقت نبوءتها . وقعت على ظهري، وكدت أن أموت، لكن من الضحك؟
ومضت العرافة في البكاء، ومضيت في طريقي .
. . والذي كان يأتي سريعاً، ويذهب أسرع كالأم، أو كحضور الشعاع .
والذي كان ضاع
من يساعد قلبي على جرحه واحتواء مواقف تشييعه منذ موتي إلى تعبي . منذ موتي إلى أبد العشق بيني وبين طفولتها، منذ موتي إليها؟ . . من يحاول قتلي غداً كي أراها . . وأحيا على ظلها شجراً ومياهاً؟





رد مع اقتباس