خليل صويلح يصف اتحاد الكتاب بالمقبرة لا أضع ملعقة فلفل هنا وملعقة عسل هناك
منذ فوزه بجائزة نجيب محفوظ عن روايته "وراق الحب" ، والاتهامات تنهال على الروائي "خليل صويلح" ، محاولة ازاحته عن قائمة كتاب الرواية ، وكأن في دخول هذا "المشاكس" حلبة الرواية ما يخدش حياء الثقافة والمثقفين على السواء. صاحب "بريد عاجل" ، الذي غادر قريته في الشمال الشرقي لسوريا منذ زمن ليستقر في دمشق ، لا يكترث بكل تلك الزوابع ، ويتجه نحو نصه وحده ، ليدحض به اتهامات الآخرين من دون أن يعني ذلك أنه يرحم خصومه من لسانه §الحاد§ ونقده اللاذع.
صحيفة الدستور التقت صاحب "دع عنك لومي" ، وحاورته حول معاركه الأخيرة ، ومشروعه الروائي ، وضحالة الوعي في الوسط الثقافي السوري وغيرها.
يتعرض الكتاب السوريون (وأنت على رأس القائمة) الذين يفوزون بجوائز عربية لاتهامات بالعمالة والخيانة والتطبيع من قبل مثقفين أعضاء في اتحاد الكتاب الذي يبدو أنه يتجه لاتخاذ إجراءت بحقكم؟.
ـ لن أدخل في التفاصيل والسجالات التي دارت ، ولكن سأسأل عن ماهية الثقافة التي تُوصلنا إلى هذا الدرك من التخوين؟ ما هي الأسباب العميقة التي أفرزت هذا النمط المشوه من الثقافة والمثقفين على السواء؟ لا أستغرب أن تخرج مومياءات اتحاد الكتاب العرب لتتهم أي نص إبداعي بأنه مارق ، طالما أن هؤلاء خارج معادلة الكتابة الإبداعية. وبالتالي ، فإن رفع الشعارات المضادة دليل هشاشة في الرؤية وعمى ألوان. ما يحدث هو نتيجة وليس سبباً: إذ لا أستغرب أن تستيقظ محاكم التفتيش لتحاكم وتتهم كل ما لا يشبه الحساء الفاسد الذي لم يشف مريضاً. هؤلاء أيضاً يعيشون على غنائم اتحاد الكتاب العرب بكتابات لايقرؤها أحد ، وكتب بالأطنان في المخازن. ناديا خوست التي تزعمت الحملة وورطت رئيس الاتحاد معها ، تعيش شيخوخة أدبية ، ولم تجد وسيلة للفت الانتباه إلى رواياتها سوى باتهام الآخرين بالعمالة. أعتقد أن النص المحنط هو من يؤذي الأدب وليس النص المتمرد الذي نكتبه. مثقفو اتحاد الكتاب العرب يشبهون طابوراً في جمعية خيرية ينتظر إعانات شهرية لا أكثر. لاحظ أن أي مبدع سوري مهم ، ليس عضواً في هذه المقبرة،.
رواية "وراق الحب" أثارت إشكالات كثيرة على صعيد فوزها بجائزة نجيب محفوظ ، ولكن الرواية أثارت ، أيضاً ، إشكالاً بين النقاد على صعيد التقنية والأسلوب إذ يرى البعض فيها رواية مصنوعة من أعمال الآخرين ، ويرى فيها البعض عملاً فنياً جميلاً جمع ـ ببراعة ـ الإبداع والتناص. كيف تنظر إلى التباعد بين النظرتين السابقتين؟.
ـ هذه قضية تتعلق بذائقة المتلقي أولاً ، لكن ما كّتب عن "ورّاق الحب" ، إلى اليوم ، يتجاوز عدد صفحاتها. مايردده البعض أن هذه الرواية هي جديلة من نصوص الآخرين يأتي من موقع الإطاحة بالنص من جذوره ، لكن نقاداً مرموقين وجدوا في هذه الرواية فتحاً سردياً مختلفاً. بالتالي ، فإن كتابة الاختلاف ترتطم تاريخياً بذائقة نقدية تقليدية لا ترغب في أن تطور أدواتها ، فتقصي النص جانباً كي تريح دماغها من الاشتباك مع سرد مغاير.
المرأة في أغلب رواياتك تبدو مطية للذكر أو المثقف الفحل: فدائما نجد المرأة منظوراً إليها بوصفها أداة متعة ، حيث يحوز جسد المرأة (وحده) اهتمام الذكور وغرائزهم. أفهم أنك تريد بذلك فضح التفكير الذكوري ، ولكن أين الوجه الآخر للمرأة التي لم نجدها في أي من رواياتك؟.
- لا أفكر على هذا النحو أثناء الكتابة ، أي أن أضع ملعقة فلفل هنا ، وملعقة عسل هناك. أكتب لفضح الذكورة فعلاً. وأكثر من ذلك ، فإني أعتقد أنّ الخشونة في بعض المفردات تبطن كتابة أنثوية مضمرة. في روايتي الأخيرة "زهور وسارة وناريمان" نماذج نسائية مختلفة ، ودفاع محموم عن الجسد في حالاته المختلفة من الانتهاك الذكوري إلى الطيران والتحليق عالياً نحو حرية مكبّلة.
قال الروائي خالد خليفة إن زملاءه المثقفين هم أكثر الناس فرحاً لعدم فوزه بجائزة البوكر. وبدا لي ، أيضاً ، في وجوه البعض انزعاج من فوز روايتك مؤخراً بجائزة نجيب محفوظ. كيف قرأت مجاملات أصدقائك لفوزك؟ وهل حقاً الوسط الثقافي السوري رديء إلى هذا الحد؟.
ـ الضيق الذي تعيشه الثقافة السورية يبرر مثل هذه الغيرة بوصفها مرضاً مزمناً لا شفاء منه. يبقى الأمر مسلياً ، طالما أنك لا تلتفت إلى الوراء. اكتب نصك بغضب ، وامض إلى الأمام.
النص الميت لا يثير شهية أحد ، ولعل ما يحدث في الوسط الثقافي السوري هو إعاقة ذهنية متراكمة بغياب الخيال الخلّاق لدى بعضهم ، لذلك يسعون إلى جرّك إلى الخلف بوسائل كثيرة بقصد تدمير التجربة المغايرة. أنْ يخرج نص سوري عن حدوده الضيقة يثير غضب الآباء الذين لم يغادر نصهم عتبة باب الحارة ، وكذلك غضب أبناء جيلك بأفكارهم الرثة.
نرى ، حالياً ، هجرة كبيرة من الشعر إلى الرواية ، شعراء كثر هجروا الشعر أو أشركوا الرواية معه ، كيف ترى الأمر: هل هو انحياز لكتابة ضد كتابة تلبي سوق الرواية الرائج وتخون سوق الشعر البائد ، أم هو تراكم معرفي تمليه لحظة معينة في حياة الكاتب؟ وكيف كان هذا الانتقال ، بالنسبة لك شخصياً ، من فضاء الشعر إلى فضاء الرواية؟.
- لطالما قلت إن الشعر ليس مهنة ، لا يجوز مغادرتها. اليوم تشتبك أجناس الإبداع كافة في نصْ واحد. كتبت الرواية بإلحاح ذاكرة تعج بمشهدية صاخبة ، ولم أفكر لحظةً واحدة بحجز مقعد مختلف. هناك عشرات الروايات التي لم تثر شهية أحد. المهم أن يكون نصك طازجاً ومفارقاً ، ثم إنني سعيت أن استثمر جماليات قصيدة النثر في نصي السردي ، إضافة إلى كل المكونات الجمالية التي تحيط بي كالسينما والتشكيل والموسيقى. المهنة روائي؟ هذا ليس مهماً على الإطلاق.
وصفت الكتابة بأنها تهلكة. لن أسأل لماذا وصفتها كذلك. ولكن سأذهب في الاتهام إلى أبعد ، ليطول المثقف عموماً ، وليس أنت فحسب. بت أشعر أن المثقف أصبح جلاداً لذاته ، ويضع نفسه في مرتبة الضحية التي تحترق من دون أن يطلب منها أحد ذلك: عبر اختراع صفات أجدها ، أحياناً ، لا تصمد أمام حقائق. فمثلاً ها هي الكتابة تقدم لك الشهرة والجائزة والترجمة والاحترام والمال ، ومع ذلك تصفها بالتهلكة.. لماذا هذه الخيانة للكتابة؟ وإن كانت تهلكة حقاً لم لا تهجرها بحثاً عما يحقق السعادة؟.
- لا أقصد بالتهلكة ، هنا ، أن تكون عذاباً ، بل المتعة في أقصى طاقتها: أن ترتطم روحك بشغف الكتابة ولذة الهلاك. تهلكة العاشق وليس الضحية.
أغلب أبطال روايتك هم مثقفون ، أو على تماس مع الثقافة ، لماذا هذا الحضور الكثيف للمثقف؟ هل ثمة عطب ما في الثقافة يستدعي حضورها إلى هذا الحد؟.
ـ أكتب ما أعرفه جيداً ، وما يشبهني ، ثم إن حضور ضمير المتكلم في رواياتي فرض عليّ الصدام المباشر مع شخصيات تتعاطى الثقافة أو تدعيها. على أي حال ، فإن صورة المثقف تستدعي عشرات النصوص بعد أن استقال من مشروعه التنويري ، ثم إن قراءة متمعنة لنصوصي ستكشف عن طبقة أخرى في القماشة البيضاء ، تستدعي أسئلة جوهرية عن معنى العيش اليوم.
منذ كتبت روايتك "وراق الحب" وأنت تتعرض لهجوم تلو هجوم. الآن ، بعد أن رسختك الجائزة ، كما قلت في أكثر من حوار ، ماذا تقول لخصومك أو أعدائك ـ إنْ كان ثمة أعداء؟.
ـ أي كتابة مفارقة تتعرض للهجوم ، وأي كتابة تخرج عن الشرعية تحاكم بقسوة. بعد الجائزة ازدادت شراسة الهجوم لأسباب مرضية صرفة تصيب كل العاطلين عن المخيّلة ، وهذه فاتورة لا بد من دفعها مؤقتاً ، ريثما تنقشع الغيمة السوداء. كان محمد الماغوط قال مرة: "لا تمر موهبة من دون عقاب" ، وهذا ما حصل معي ، من دون غرور. لنتذكر أيضاً أن من يعمل في الصحافة الثقافية سيكون دريئة لسهام الآخرين ، وقد اعتدت الخناجر في ظهري ، فازددت صلابة.
بماذا تحلم الأن؟ وماذا تكتب؟.
ـ أحلم أن أسدد ديوني المتراكمة ، وأن أعيش إجازة طويلة بعيداً عن المعارك الكرتونية ، وأن أزور أمي من بعد غياب ، وأن أشفى من عقوبة كتابة الزوايا الصحفية الأسبوعية ، كي أتفرغ للكتابة الروائية. منذ أسبوع ، حاولت أن أنسى كل ما يحيط بي من أسى ، واستيقظت فجراً ، ثم بدأت كتابة رواية جديدة بمناخات صحراوية ، كأنني أهرب من المدخنة الملوثة إلى رحابة الرمل.
* نقلا عن الملحق الثقافي
الدستـور الأردنيــة






رد مع اقتباس