والكتاب الذي صدر عن دار الفارابي ، جاء على شكل أنطولوجيا شعرية واسعة ، ضمت عشرات القصائد والمقطوعات الشعرية التي كتبت عن بيروت ، ابتداءها بـ "ننّوس اليوناني" المولود في مصر نهاية القرن الرابع الميلادي ، واختتمها بالفرنسي "جام ساكريه". وخلال مقدمته يؤكد بزيع أن بيروت منذ وجودها قبل آلاف الأعوام "لم تكن أبداً مدينة نهائية أومستقرة ، بل كانت دائماً رجراجة ومتغيرة ، لا تمنح سكانها ، كما زائرها ، طمأنينة الركون إلى فكرة أو معنى بقدر ما تضعهم في مهب القلق وعاصفة التساؤلات. كأنها مدينة قيد الإنجاز وعاصمة لا تكف عن إعادة تأسيس نفسها كلما أنهكها فاتح أو عصف بها زلزال".
لم يتوقف بزيع في مقدمته عند حد التذكير بالأهمية الإستثنائية التي حظيت بها بيروت على مر العصور ، بل ذهب إلى مدى أبعد عبر إيجاد قاسم إبداعي مشترك بين كينونتين ، إحداهما مادية مفرطة في ماديتها ، والثانية معنوية مفرطة في معنويتها: كينونة بيروت (المدينة) وكينونة القصيدة (الشعر) ، حيث ذهب إلى المقابلة بينهما عندما قال: "أن بيروت قصيدة مموهة بصورة مدينة" ، من غير أن يقصد بالطبع المعنى الحرفي للعبارة ، بل نخمن أنه عنى بذلك التقارب الشديد في تظافر الواقعي والمتخيل في رسم صورة بيروت عبر في الذاكرة الجمعية ، لدرجة لم نعد نعرف من خلالها أين يكمن الواقع مترسبا بعيداً عن أنظارنا ، وأين يطفوا المتخيل البراق الشعري في صورة مدينة جبلت بالشعر ، الذي إتخذ منها أحد معتركاته الحيوية في القرن العشرين.
وأناط شوقي بزيع ببيروت ، التي باتت تحتل مكانة استثنائية بصفتها إحدى العواصم المؤثرة على الخارطة السياسية الإقليمية ، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية 1975( - )1990 ، مهمة شعرية (رسولية) هي تجريد القصيدة العربية من وطأة الأشكال والزخارف البلاغية (المكتملة) ، فهي بحسب بزيع تسهم في انتعاش الشعر العربي وتجديدة وتجريدة من كلاسيكيته بإتجاه آفاق إبداعية أرحب.
وبالرغم من أن بزيع لم يأت على مجمل الأسباب التي أكسبت بيروت مكانتها التي فاقت حجمها وتأثيرها ، مكتفيا ببعض الإشارات هنا أو هناك ، إلا أننا نستطيع التأكيد أنه طالما شفع لتلك المدينة موقعها المتقدم كهمزة وصل بين الشرق والغرب ، على خارطة الحداثة العربية والعالمية ، عبر مقدرة استثنائية على تقمص مظاهرها ، بشكل ظاهري زائف أغلب الأحيان ، مكنها من التبشير بحداثة شعرية عربية ، وهي بذلك تبقى مرجحة أكثر من غيرها للتبشير بأكثر تجليات ما بعد الحداثة عنفاً وضراوة وإنقلابية ، عبر طروحات باتت تتخذ سمات راديكالية بصيغ متلونة في أغلب الأحيان ، حتى لو نجحت في تمويه ملامحها التي لم تتضح بشكل جلي بعد.
* نقلا عن الدستــور الاردنيــة