[frame="15 98"]
أمثولة يابانية
مقال خيري منصـور
دار الخليج
الكاتب الياباني نوتوهارا عرف عالمنا العربي عن كثب، وظل يتردد على بعض عواصمه لأكثر من أربعة عقود، وأتقن العربية فكتب بها مباشرة عن أحوالنا، وهو حين يقارن بين ما رآه وعاشه في بلاد العرب وبين بلاده يشعرنا بالأسى مرتين، مرة لأن اليابان نهضت من كبوتها وحولت الهزيمة إلى رافعة، ومرة لأننا لفرط استغراقنا في واقعنا لا نرى ما يجب أن نراه، لأننا ألفناه وأدمناه .
يروي الكاتب الياباني قصة سياسية من بلاده بطلها “تاناكا” الذي شغل منصب رئيس وزراء اليابان، وأصبحت ابنته عضواً في البرلمان الياباني، يقول إن الشعب أحبه ونادراً ما ظفر رئيس وزراء بما ظفر به من العرفان، ليس فقط لمنجزاته ومنها خطوط القطار السريع، بل لأنه كان يبدو أمام شعبه مخلصاً ومتفانياً، لكن ما أن نشرت فضيحة لوكهيد أو ما يسمى “لوكهيد غيت” في الصحف اليابانية حتى اعتقلت الشرطة السيد “تاناكا” واقتادته إلى المحاكمة وذهب إلى السجن بقبقابه الياباني .
هذه مجرد قصة من جملة حكايات يرويها الكاتب الياباني عن بلاده، ثم يقارنها بما يجري في العالم خارج اليابان ومنه الشرق الأوسط، الذي يعج بالمشاهد الدراماتيكية، وقد حذفت الفواصل بين الأضداد، فلا تعرف الصواب من الخطأ وخط العرض من خط الطول والقمر من الرغيف والحبل من الثعبان .
كانت اليابان قد استفادت الى حد كبير من تجربة محمد علي باشا في التصنيع وتحديث الدولة لكنها مضت بعد ذلك إلى ما هو أبعد، ولم يحل الانكسار العسكري دون استدعاء كل احتياطات العقل، وسرعان ما ملأت صناعات اليابان القارات الخمس .
ليس من هدفنا في هذه المناسبة المقارنة بين ما حدث لليابان بعد الحرب وما حدث لنا في عالمنا العربي، فقد كتب الكثير عن هذه المقارنات التي تحولت أخيراً إلى مفارقات، والأهم من ذلك هو أن العالم ليس بعيداً عن أدق تفاصيل واقعنا العربي، ولا أظن أن أحداً تنبه ذات يوم إلى ذلك الشاب الياباني الذي يتجول في عواصمنا العربية، ويرصد ادق التفاصيل ليكتب بعد ذلك كتاباً، ما إن قرأناه حتى تصبب العرق على جباهنا لأنه شأن الغرباء كلهم رأى ما لم نره ودون كل ما تعرض له في حياته اليومية، بدءاً من تجاربه في السكن بأحياء شعبية إلى سائقي التاكسي والمارة وأصحاب الحوانيت إضافة إلى شكل العمران وما يعنيه من دلالات ثقافية ونفسية لدى الناس .
وإذا كان الأمريكيون يقولون ما من وجبة عشاء مجانية، تعبيراً عن هذه الحقبة البرغماتية التي لا تلقى فيها تحية من دون ثمن أو هدف، فإن هذا الياباني يقول، ما من رحلة سياحية بريئة تماماً في زمننا، فالسائح يسجل كل ما تقع عليه العين أو تسمعه الأذن ويضبط الناس متلبسين بواقعهم اليومي من دون التفات إلى من يرصد ويسجل ويقارن .
ورغم كثرة الحكايات التي يرويها الكاتب الياباني فوتوهارا عن عواصم عربية جاب أزقتها وسكن في احيائها الشعبية وزار مقابرها إلا أن ما رواه عن “تاناكا” الذي دفع ثمن فضيحته رغم حب الناس له تبقى الاضاءة المسلطة على كل صفحات الكتاب، ليقول لنا إن اليايان حققت عدالتها وديمقراطيتها على طريقتها، وإن المعصومية ليست من حق أحد حتى لو كان السيد “تاناكا” .
[/frame]





رد مع اقتباس