[frame="10 98"]
ذئب وشراع
مقال حبيب الصايغ
دار الخليج
يعبر في خاطري شراع كنت ألعب معه، به في الطفولة، كم كبرنا معاً . لا يعيش معي الآن بطبيعة الحال . لايعيش معي داخلي أو خارجي، ولست متأكداً من كونه بقي، وراء السنين والفصول، إلى الآن، أم أنه انتهى منذ زمن بعيد، وتفككت خيوطه، ثم انسلخت عن نفسها وروحها، واندثرت تماماً .
لست متأكداً أيضاً من كون شراع الطفولة حقيقياً أم متخيلاً . اختلطت عليّ الأمور بفعل تراكم التجارب، وضياع العمر في مطاردة الفراشات، ومحاولة إعادة الأنهر إلى منابعها الأولى .
يخطر في بالي الآن ذلك الشراع البعيد، فأصاب فوراً بوجع الرأس . لست متأكداً هل هو شراع في هيئة صداع أو صداع في هيئة شراع . المهم انه هناك يناديني من حين إلى آخر، خصوصاً حين ينتصف الليل، وترفع الذئاب المحيطة ببؤبؤ عيني صوتها وهي تغني .
هل تعرفون غناء الذئاب؟ ليس عويلاً، وتنسجم عذوبته مع العذاب المختبئ بين الأصابع والعيون . يقف الذئب من أولئك أمام المايكروفون ويبدأ في ترنيم نحيبه بين شهيق يصاعد في الحناجر وكأنه الأرواح الطالعة، وزفير لا يكاد يبين من فرط التعب، وأتذكر بالمناسبة حنين الذئاب إلى أن تكون نفسها، أو تنقلب إلى شيء آخر . .
عندما اقترب الذئب التاريخي من ليلى خافت جدتها كثيراً، لكن ليلى احتضنت الذئب وأخذت تهمس في أذنه . قالت له كلاماً كثيراً، أغلبه صعب، والبقية الباقية ضيعها الرواة، فلم يصلنا منها رمق .
ماهي العلاقة بين شراع الطفولة وذئب الطفولة . كلاهما طرف من الماضي الشهي، وكلاهما غائب حاضر، ومسيطر على الذاكرة وكأنه الموت . ها أنا استحضرهما الآن من دون سابق ميعاد، وهاهما أمامي يختصران ليالي العمر ومساءات السنين بالنيابة عني، ويأخذانني إلى حيث يشاءان . طرق ملتوية وحلزونية، والدرج على مقربة يشتعل درجة درجة بماء النار .
لست ثعلباً أيها الذئب حتى تنام بعين واحدة، ولسوف أترك تأويلك لغيري أيها الشراع:
على ضفاف بحر الوقت مر، بغتة، شراع
واحتار فيه الناس:
قال الغريب إنه خيوط عين الشمس .
قال المغني إنه البياض واستدرجه نحو السماء قوس .
وقالت المرأة: بل تشكيل موج هائج في الرأس .
[/frame]





رد مع اقتباس