لا زمن إلا النسيان
مقال حبيب الصايغ
أي عمر هذا الذي يخترع الفرص فيخفي ساعتي في معطفه، ولا يعود إلى جحره الأبدي، إلا بعد أن يقطع ذراعي؟.. ليس سؤالاً اعتيادياً حتى أنتظر إجابته، لكنني في حالة من يطلق الطلقة، يم يواصل طريقه، بغض النظر عمن تصيب أو لا تصيب. القتل ليس الهدف، وإنما تحريك مياه البحيرات الراكدة وما أكثرها في هذا الزمن، ولقد فقدت البوصلة والاتجاه. ذراعي بعيدة، والشاطئ بعيد، وليس لي إلا الاستسلام، أبداً، لداء التجاهل والكبرياء.
أوائل ورد كن بالأمس نوماً، ولقد طلعن منذ طلعن في مستقبل الليل الطويل. أوائل الورد على أرصفة التسكع والقلق والجرأة على المغامرة، حيث للمناديل البلل السماوي، وللغيوم رسائل المطر، وحيث الخطوات نسيج الأجيال، وماء العين ينحني على قمصان الأحفاد:
وفي نشيد الاستهلال، قال المنادي وهو يرفع صوته على حواف الضجيج: شوقي إليك بالندى والشمس مبتل.
هذا النهار من أجمل ما رأيت، مذهل كأنه ليلُ.
لا مفاضلة بين ليل الرجل ونهاره، لكنها سوسة الوقت تنخر في رأس رجل بدأ يتحسر كثيراً، كل يوم وكل ساعة، بعد أن فقد ذراعه.
خيبته الكبرى أنه لم يعد قادراً على حمل أحلامه بيديه الاثنتين:
عمرنا ضاع حتى انتهى ويدانا تضيعانْ
والطريق يغافلنا ويعود إلى جحره. الطريق الجبان.
كيف نمشي، إذاً، كيف تمشي جنازاتنا؟ كيف نكتب أسماءنا أول العشق والانتحار؟
وكيف نهاجر حين تضيق المنافي بنا؟
لا وقت إلا الغفلة. لا زمن إلا النسيان، ولم يعد للاحتفاظ بالساعة، أو حتى الذراع، معنى خاص.
الليالي تتبدل والأيام، والزمن يختال أمامنا مهرولاً إلى نهاياته وراء الهضبة، ولا زمن إلا النسيان.
المرايا تشردني في غواياتها، فأموت جريحاً، وينكسر القمر الحلو في سقف قبري. وحيداً رأيت النقيض، فأسرجت طير الأبابيل في المفرد الجمع، وانتشرت لغتي في دمائي شظايا.
وحيداً، وصادفت لوني يغادرني ذاهباً في السنين.
وصادفت موتى كثيرين بين حروف رمادية وكلام رصين
وأتعبني جسدي يوم مات.





رد مع اقتباس