جنازة مشى فيها الزيتون
مقال خيري منصور
دار الخليج



لم يكن مجرد يوم آخر، ذلك الذي شيّع فيه شهداء أو زعماء أو شعراء تحولوا إلى رموز وطنية، ومنهم من مشى حتى الشجر في جنازته وخرج الحجر عن صمته، وحين احتفل الفرنسيون بذكرى شاعر الحرية بول ايلوار صاحب القصيدة النشيدية التي دأبت طائرات فرنسا على توزيعها من الجو في ذكرى التحرير، قالت سيدة عجوز كانت تعمل في البريد، إن المكالمات بين العشاق الفرنسيين في ذلك النهار البنفسجي كانت لا تخلو من اسم يتلألأ كالجوهرة في أحاديثها وهو صديقهم ايلوار، وحين شيع الجنرال ديغول إلى قبره علق كاتب فرنسي مرموق قائلاً: خشيتنا أن يكون عصر العمالقة قد ولّى .



وفي تشييع ألبير كامو المتقشف الذي شارك فيه خمسة فقط من أصدقاء الكاتب، حسب وصيته، كتب أحد المثقفين الفرنسيين يقول: إن كامو لم يكن بحاجة إلى فرنسا ليكون كما كان، لكن فرنسا كانت بحاجة إليه ولأمثاله كي تكون فرنسا . وحين دهس سائق تاكسي في باريس مقابل جامعة السوربون الكاتب رولان بارت، اعترف أمام المحكمة بأنه يستحق أقصى العقوبات لأنه لم يكن يعرف بأنه دهس فرنسا .


وحين ألقت سلطات الأمن القبض على سارتر في عهد الرئيس ديغول لأنه تزعم أكثر من مائة مثقف فرنسي لإدانة احتلال الجزائر، اتصل ديغول بوزير داخليته قائلاً له: من يستطيع أن يسجنه؟



أما ونستون تشرتشل فقد قال في أوج مجده السياسي إن أكثر ما يزهو به هو كونه من بلد شكسبير . ولم يجد ستالين، على رغم نرجسيته وطغيانه، ما يخاطب به الروس عندما اقترب الألمان من موسكو غير عبارته الشهيرة، لقد اقترب الأعداء من قبر ديستويفسكي .



إننا نتذكر كل هذه المواقف عندما نرى تمثال بدر شاكر السياب مثقباً بالرصاص في البصرة وهو القائل: أيخون إنسان بلاده! إن خان معنى أن يكون فكيف يمكن أن يكون . .



أو حين نرى أحفاد الكواكبي يفتشون عبثاً عن رميم جدهم الرائد النهضوي، أو حين نرى بيت جبرا إبراهيم جبرا العامر بالكتب والمخطوطات واللوحات وهو يتحول إلى طلل بعد رحيله .




الحكاية تطول والأمثلة لا حصر لها، والأسى يقطر من تلك الشواهد لشهود وشهداء طواهم النسيان في زمن العقوق .



أما المناسبة لهذه التداعيات فهي ذكرى رحيل شاعر لم يستطع قلبه احتمال ما أفعم به من الشجن، فخفق فوق طاقته، وهو الذي رمت الجبال عليه معاطفها لتغطيه مثلما تحولت الغيوم إلى شراشف بيضٍ ذات أهداب دامعة وهو يعود .



لم يكن مجرد يوم آخر عندما أُغمضت عينا محمود درويش بعد أن عاتب أهله قائلاً “أنت منذ الآن غيرك” بمناسبة الصراع بين الأشقاء اللدودين وقوائم الدم والخيمة، وهما “فتح” و”حماس” .




مضى محمود الذي حلم بأن يرتق ثوب الأبدية قبل أن يرى قصائده تحتضن سكانها من الطيور والأطفال والعائدين، والذي سقط عن القصيدة ليس الحصان بل الخيول كلها بعد أن سال الدم من أعناقها من فرط الصهيل وهي لا تعلم أن لا حياة لمن تنادي .



إن رحيل شاعر هو اليوم المناسب لإعلان قيامته، فمن حملوا العبء سواء عبء الشهادة أو الكتابة، من أجلهم تواصل الشمس الشروق، ويفيضون عن مساحة توابيتهم وقبورهم لأنهم يعودون لحظة يُودعون .