ميلان كونديرا وفنه الروائي
* الملحق الثقافي
* الدستور الاردنيــة
صدر لميلان كونديرا ، حتى الآن ، أكثر من عشرة أعمال قصصية ، وأكثر من كتاب حول (فن الرواية). وترجمت أغلب أعماله القصصية إلى اللغة العربية ، غير أنني لم يتيسر لي أن أقرأ له سوى ثمانية منها ، هي: "المزحة" ، "غراميات مرحة" ، "خفة الكائن التي لا تحتمل" ، "الحياة هي في مكان آخر" ، "المحاورة" ، "كتاب الضحك والنسيان" ، "الخلود" ، "البطء" ، فضلاً عن كتابين عن فن الرواية وعن فنه الروائي. أما أعماله الأخرى فقد قرأت عنها ولم أقرأها.
كان كونديرا أحد الأدباء التشيك ، الذين استغلهم الغرب ، في الدعاية المعادية للاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي ، أيام الحرب الباردة ، فتبناه ـ منذ عام 1968 ـ أي بعد أحداث ما عرف بربيع براغ ، وسهل له الهجرة إلى فرنسا ، عام 1975 ، ومكنه من نشر أعماله ، وروج له ، ليس بوصفه روائياً مهماً ، أو كاتباً كبيراً ، بل بوصفه مادة ملائمة للدعاية السياسية الغربية المعادية للاتحاد السوفييتي. غير أن الفرنسيين ظلوا ينظرون إليه بوصفه كاتباً أجنبياً ، برغم قضائه مدة طويلة ، في فرنسا ، تبلغ أكثر من أربعة عقود ، ومن تحوله إلى الكتابة باللغة الفرنسية. وبقيت الدعاية السياسية هي الأساس في ما ناله من شهرة نسبية داخل فرنسا وخارجها.
غير أن كونديرا حظي باهتمام واسع من لدن بعض دور النشر العربية ، وقدمته وكأنه فتح جديد في عالم الرواية ، فنشرت له أغلب أعماله ، وحظي باهتمام مماثل من قبل بعض كتاب القصة في بعض الأقطار العربية ، حتى أخذ أكثر من قاص يقلد تقنياته القصصية. ويبدو أن أكثر ما أغراهم من أدبه سخريته السياسية اللاذعة من النظام الشيوعي الذي كان يحكم بلاده ، فقد سمعت أكثر من قاص وأديب يتحدث بإعجاب عن هذه السخرية ويستطرفها ، لأسباب نفسية مفهومة تتعلق بالأوضاع السياسية العربية ، ولكنها لا تسوغ هذا القدر من الاهتمام والإعجاب ، في نظري.
إن السخرية ، إن كانت نادرة ، أو قليلة ، في الفن القصصي ، فهي ليست جديدة. إنها موجودة منذ ثيربانتيس ، ومنذ غوغول في الأقل. صحيح أن سخرية كونديرا حاذقة وطريفة ، وليست باردة ، كالسخرية الإنكليزية ، مثلاً ، ولكن السخرية ليست قيمة فنية في حد ذاتها ، ولا يركن إليها ، وحدها ، في تقويم الأعمال القصصية ، وهي لا تصلح لتزكية ، الأعمال الضعيفة والهابطة أو تسويغها في أي حال من الأحوال. ولو قارنا سخرية كونديرا بسخرية ثيربانتيس (في: دون كيخوته) أو سخرية غوغول (في: المعطف) ، لوجدنا أن سخرية هذين الأخيرين سخرية أصيلة ، وذات وظيفة بنائية في العمل القصصي ، وهي ـ في الوقت نفسه ـ إنسانية خصبة ودافئة ، وعلى صلة وثيقة بالوضع البشري ، في حين أن سخرية كونديرا خارجية مصطنعة ، وذات وظيفة ظرفية ، هي وظيفة سياسية دعائية ، والفارق بين هذه وتلك كالفارق بين الإخلاص والانتهازية.
والواقع أن كونديرا لم يستخدم السخرية وحدها في ترغيب القارئ وتشويقه ، بل استخدم معها الجنس بأشكاله شتى ، حتى المسفّ المقزز منها ، كالجنس الجماعي والجنس الثلاثي ، والجنس الشاذ وغيرها ، ما يحط من أدبية أي عمل أدبي ، لأنه مجرد تملق رخيص لغرائز القارئ العادي ، وحفر في ما هو سفلي وانحطاطي تحت غطاء ما يعرف ، اليوم ، بكتابة الجسد. نعم ، إن كونديرا ليس الوحيد الذي استخدم الجنس في الأعمال القصصية ، ولكنه ممن أسفّوا في استخدامه. الروائي الإنكليزي د. هـ. لورنس استخدم الجنس من قبله ، ولكنه حلق به إلى مستويات شعرية رفيعة ، حتى في أكثر أعماله انكشافاً ، مثل روايته "عشيق الليدي شاترلي" ، وكانت له ـ في ذلك ـ أهداف اجتماعية خالصة.
وغابرييل غارسيا ماركيز استخدم الجنس ، هو الآخر ، في "مائة عام من العزلة" ، ولكن لأهداف فنية مسوغة ترتفع بالعمل ولا تحط من قيمته. وقد استخدمه ، أيضاً ، باتريك زوسكيند في روايته الجميلة "العطر" ، ولكن أين ذلك المشهد الجماعي الجبار الذي رسمه في هذه الرواية من ترهات كونديرا في "البطء" ، أو في "كتاب الضحك والنسيان"؟
أما من حيث الشكل ، فيوضح كونديرا ، في حديث له ، أنه يكتب رواية ذات بنية رياضية: رواية بوليفونية سباعية الحركات ، يتجاور فيها الرَّوْيُ مع ما يسميه بالاستطراد الثيمي ، فهو يسرد حكاية ويعقبها بتعليق استطرادي ، أو شرح ، أو مقال له صلة ما بثيمتها. غير أن القول النظري شيء وتطبيقه شيء آخر. فالقول النظري قد يكون ذا منطق متماسك مقبول ، ولكن قيمته الحقيقية لا تظهر إلا في التطبيق. وفي التطبيق ، غالباً ، ما يقع كونديرا صريع نظريته.
فالمجاورة بين الحكاية والمقال لم تعطنا ـ في أعماله ـ بنية روائية متماسكة تماسكاً عضوياً ، بل أعطتنا (في "كتاب الضحك والنسيان") قصصاً وحكايات عادية ، مستقلةً بعضها عن بعض ، لا يجمعها سوى خيط ثيمي سياسي واهْ ، وقدمت لنا (في "الخلود") قصة قطع أوصالها مقالان تحليليان (عن غوته وروبنز) ليس لهما صلة عضوية ببنية القصة ، حتى ليبدو المقالان الاستطراديان هما الأساس والقصة مجرد تطبيق ساذج لأفكارهما.
إن كونديرا نفسه يعترف ، في حديثه ، بأنه إذا استغنى عن تطوير ثيماته تطويراً مقالياً ، واكتفى برواية القصة ، تصبح قصة سطحية.
وهذا يعني أنه لا يستطيع أن يطور ثيماته من خلال بنية العمل الروائي ، بل لا بد له من تعزيز هذه البنية باستطرادات فكرية وتأملات مجردة ، أو مقالات ، من خارجها ، غير أن هذا لم يفض ، في الواقع ، إلا إلى تخلخل بنية الرواية وتفككها ، وإلى تسطيح الشخصيات وتهميشها. ولذلك لا نحظى ، في رواياته ، بشخصيات ذات عمق نفسي ، أو ثراء روحي ، أو تجربة خصبة ، أو فرادة ، أو غرابة ، بل نجد شخصيات عادية مسطحة في تفكيرها وسلوكها ، وغير مؤثرة: شخصيات مثل: ياروسلاف (في "المزحة") ، والدكتور هافل (في "غراميات مرحة") ، وجاروميل (في "الحياة هي مكان آخر") لا تكاد نتم قراءة الرواية حتى ننساها.
والواقع أن محاولة كونديرا هذه ليست جديدة ، فنحن نجد شيئاً شبيهاً بها ، أو قريباً منها ، في رواية تولستوي الشهيرة ، "الحرب والسلام" ، حين يتحدث عن دور الفرد في التاريخ ، ونجده ـ بصورة أخرى ـ في رواية جيمس جويس ، "يولسيس" ، حين يتحدث عن شكسبير ولغته. ولكن أين "يولسيس" جويس من "خلود" كونديرا؟ فالعمل المركب الكبير الذي قدمه جويس في روايته جسد قصصي متلاحم ، وبنية روائية واحدة ، في حين أن رواية كونديرا ليست سوى أوصال مقطعة.
ويذكر كونديرا أنه يعالج في رواياته ثيمات وجودية ولكننا لا نجد فيها مثل هذه الثيمات ، ونرى أن من أهم ما ينقص أدبه الرؤى الإنسانية الشاملة التي تجعل من العمل الروائي ذا قضية كبيرة أو مهمة ، ومن شخصياته حالات إنسانية تحتل موقعها في ذاكرة القارئ ، وفي الذاكرة الأدبية العامة ، وتتحول إلى رموز ونماذج غير قابلة للنسيان مثل: راسكولنيكوف دستييفسكي ، وديدالوس جويس ، وسوان بروست ، وأنا كارنيننا تولستوي ، وإيما فلوبير ، و(ك) كافكا ، وغيرها. فلو جردنا (خلود) كونديرا من مقاليه عن غوته وروبنز ، مثلاً ، لأصبحت مجرد قصة خفيفة عادية من قصص التسلية ، أو ما هو بمستواها ، شأنها في ذلك شأن أعماله الأولى: "المزحة" ، "غراميات مرحة" ، و"خفة الكائن" ، و"الحياة هي في مكان آخر" ، و"المحاورة". وهذا ما ينطبق على قصص "كتاب الضحك والنسيان".
يتضح ، مما تقدم ، أن العناصر التي يتكئ عليها أدب كونيرا عناصر مقحمة على المتن الروائي من خارجه ، وهي تأخذ من الرواية ولا تعطيها ، وتفقرها ولا تغنيها ، وتهشمها ولا تبنيها. فالتحديث في شكل الرواية (أو في غيرها) ينبغي أن يأتي من داخلها ، وليس من خارجها. ففي الحالة الأولى يكون التحديث بنيوياً أصيلاً ، أما في الحالة الثانية فلا يكون إلا ضرباً من ضروب (الكولاج) المفتعل.
وخلاصة القول: إن كونديرا روائي عادي ، لا يستحق الهالة التي أحيط بها ، ولو قارناه ببعض معاصريه ، من مثل: ماركيز (في "مائة عام من العزلة" ، و"حب في زمن الكوليرا") ، وسلمان رشدي (في "أطفال منتصف الليل" ، و"العار") ، وأمبرتو إيكو (في "اسم الوردة") ، وباتريك زوسكيند (في "العطر") ، وبول أوستر (في "ثلاثية نيويورك") ، نقول: لو قارنا أعمال كونديرا بأعمال هؤلاء ، وحتى بأعمال روائيين من درجات أدنى ، ناهيك عن آباء الرواية العظماء ، لخفت موازينها كثيراً ، وانكمشت حتى الضآلة.






رد مع اقتباس