مامن مسلم في الدنيا إلا وله ذنوب يود تكفيرها وعيوب يرجو سترها , فما من إنسان
معصوم إلا من عصمه الله جل وعلا من الأنبياء والمرسلين في تبليغ رسالة الوحي والدين .
فإن ضرورة المسلم إلى الستر أشد من ضرورته إلى الطعام والشراب والهواء , فالستر
يحفظ عرضه فلا ينثلم , ويكلأ شرفه فلا ينهدم , ويجنبه الذل ويكسوه المهابة والرفعة والوقار .
ومن منّا يستغنى عن ستر الله جل وعلا ؟!
فالعبد مع قوة إيمانه أحوج مايكون إلى ستر الله جل وعلا لسببين :
الأول : لأنه خلق مفتنًا ضعيفًا عجولاً , تغلبه الطباع , وتستهويه الشهوات والاستمتاع , وتنتابه
الغفلة فيقع في المعصية والزلة , وهو بذلك واقع لا محالة في المخالفات صغرت أم كبرت !!
الثاني : لأن الناس لا يفقهون في الترجيح بين سيئات المؤمن وحسناته , فهم إذا علموا منه كبيرة
أوصغيرة عدّوها عليه من النقائص التي يستوجب عليها الترك والهجر والذلة ..
ثم إن الأصل في الناس هو الظلم , فهم لايصدقون الإشاعات والفضائح فقط بل أن الكثير منهم يعمل
على أختلاقها وتزينها وتحليلها وتتبع آثارها وأخبارها ومن ثمّ نشرها في النوادي كلها !
وهذا مايجعل المؤمن أحوج إلى ستر الله جل وعلا ..
والأسباب التي يتحقق بها ستر الله جل وعلا على المسلم من الذنوب وكسبه من العيوب هي :
السبب الأول :
(الستر على المسلم )
فإن الجزاء عند الله تعالى من جنس العمل , فمن ستر على المسلم عيبه ولم يكشف ذنبه ,عامله الله
جل وعلا بستره في الدنيا والآخرة , ولهذا جاء الحديث "من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة "
السبب الثاني :
( اجتناب تتبع عورات المسلم )
وهذه آفة خطيرة قلّ من الناس من ينجو منها حتى أنك تجد التقي الورع يلبس عليه إبليس في ذلك
ومكمن التلبيس الذي يلبسه عليهم الشيطان أنه يقنعهم عن طريق الأيحاء والوسوسة أن مجرد الأطلاع
على عورات الناس والسؤال عنها أو السماح للآخرين بكشفها لايضرّ وإنما الذي يضر هوفضحها وإشاعتها
بين الناس !!
ولهذا جاء التحريم صريحًا في تتبع عورات المسلمين فكما أن ستر المسلم واجب فكذلك تتبع عوراته حرام
وسبب ذلك واضح هوأن تتبع العورات أول مراحل الفضح , فإن من تتبع شيئًا أنكشف له واتضح فإمّا أن يتقي
الله وإلافضح ..فإن من تتبع عورة المسلم تتبع الله عورته وفضحه .
السبب الثالث :
( الصدقة )
كانت الصدقة من أسباب ستر الله جل وعلا لأنها موجبة لإطفاء غضبه سبحانه وتعالى .
أن رسول الله صلى الله عنه قال : " إن الصدقة تطفىء غضب الرب , وتدفع ميتة السوء "
السبب الرابع :
( ستر الميت عند تغسيله )
وعيوب المسلم الميت إذا ظهرت عند تغسيله وجب سترها ولاشك أن الميت إن كان سيء
الأعمال مفرطًا في دينه تظهر عليه علامات ذلك في بدنه ووجهه حين تغسيله فمن ستر عنه
عيوبه ولم يكشفها للناس ستر الله عيبه وأخفى عن الناس ذنبه .
السبب الخامس :
( كفّ الغضب )
فعن ابن عمر رضي الله عنه _ عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ومن كفّ غضبه
ستر الله عورته , ومن كظم غيظًا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضًا يوم القيامة
ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له ثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام
وإن سوء الخلق ليفسد العمل , كما يفسد الخلّ العسل "
السبب السادس :
( مداراة الجهال وسليطي اللسان )
فإن المؤمن وإن تمالك جهده ليستر عيوبه عن الخلق فلا بد له من سقطات هنا وهناك في واقع
تعامله مع الناس لأنه بشر وأحكام البشريه جارية عليه كالنسيان وغلبة الطبع ونزع إبليس والشهوة
ونحو ذلك من نقائص الإنسان وعيوبه , ومالم يؤتَ المؤمنَ حكمة يداري بها الجهال ويمتص به حقد
الحاقدين وأمراض الحاسدين والمتسلطين في الأعراض سليطي اللسان فقد يقع في شراكهم ونهشاتهم
وإيذائهم , فإذا كانت لمزات أهل الفحش والتسلط باللسان وإشاعاتهم تشترى بالمال فمن باب أولى أن يبذل
المسلم وسعه في تحسين خلقه وأدب مدارته للجهال وسليطي اللسان , والموفق من سددّه الله في ذلك
.
السبب السابع :
( الإخلاص لله جل وعلا واجتناب الرياء )
فإن الرياء من اسباب هتك الستر على المسلم فالإنسان اذا طلب رضى الناس عنه ومدحهم وثناءهم عاقبه الله
بنقيض قصده فهتك ستره وألبسه رداء أعماله ليراه الناس على حقيقته وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم " من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس , ومن التمس رضا
الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس " فمن أخلص لله قلبه ستُر عن الخلائق عيبه وغُفر بإخلاصه ذنبه .
السبب الثامن :
( حسن الظن بالله جل وعلا )
فالله سبحانه ستير حليم غفور رحيم يحب الحلم والستر ويحب من يستر على خلقه , وما منّا الإظالم لنفسه مقصر
في حقوق ربه , وأن المؤمن الموفق هو من يتوب من ذنوبه في القريب ويلجأ إلى الله سبحانه بالاستغفار والتوبة
محسنًا ظنه بربه عازمًا على أنه سيغفر ذنبه ويستر عيبه فلا أحد أرحم به منه .
السبب التاسع :
( الدعاء )
فبالدعاء ستمطر الرحمة وتفرج الكربة والغمّة , وتنجلي البلايا والمحن , وتذوب الفتن , فليس على الله شيء أكرم منه
يحبه ويحب أهله , ويغضب على من لم يسأله .
قال تعالى : *(( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الدَّاعِ إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم
يرشدون ))*
السبب العاشر :
( اجتناب الإصرار على المعاصي )
فالإصرار على المعاصي ظلم يوجب العذاب والنكال ومن مفردات ذلك : أن يفضح الله جل وعلا المصر على المعاصي بين
الخلائق ويذله ويهينه جزاء له على تمادّيه وظلمه وطغيانه ..
ولربما أظهر الله تعالى سرائر المصر على المعاصي على فراش موته فخانه لسانه ونطق بما يدلّ على سالف سيئاته
فمات مفضوحًا وربما ظهر ذلك في وجهه حين تغسيله .. نسأل الله المعافاة في الدنيا والآخرة .
"اللهم أجعل خير أعمالنا خواتمها"
منقوووول