تأخذ بعداً شبه ملحمي

قراءة في "سكّر الوقت" للشاعر إبراهيم محمد إبراهيم





نشرها الملحق الثقافي في عدده (11402) 7 أغسطس/ آب 2010 على صفحة كاملة، على صعيدي التجربة الخاصة للشاعر، والقصيدة الإماراتية، في آن واحد، لما في هذه القصيدة من ملامح خاصة، تكاد لا تذكر بتجربة سابقة عليها .



وقد يكون مرد الخصوصية المشار إليها، أعلاه، أن النص يعتمد بناء خاصاً به، ضمن تجربة الشاعر في إطار قصيدة التفعيلة، التي تأخذ هنا بعداً شبه ملحمي، من الناحية الفنية، طبعاً، لما تحتله عمارة النص من فضاء، يسجل إحالاته إلى نفسه، فحسب، حتى وإن تم تداعي الأمكنة، بمعناها الفني، لا الهندسي، والجغرافي، مادام النص يضعنا أمام أكثر من مكان .


إن الحقل الدلالي في النص يتشبع بالكثير من الرموز، والبؤر، والدوال، والإشارات، والشيفرات، عبر بنية إيقاعية، متجددة، تكاد تصبح إحدى أهم العلامات الفارقة للنص، ليكون مفتوحاً على “ظلال المعنى”، من دون أن يمارس القسر على العلاقة بين الكلمة والأخرى، ضمن سياق العبارة، وتشكيل الصورة الشعرية التي تنظم علاقاتها مع سواها ضمن بناء النص الإبداعي .






يبدأ النص من خلال اعتماده المجاز “سكر الوقت” ضمن ثنائية “الحلو/ المر” التي يمكن اكتشافها من خلال الذائقة، بيد أننا أمام سكر مختلف، يحتاج بدوره لكي يحلو إلى سكرة أخرى، سرعان ما نكتشفها (وهو يكرر المفردة اثنتي عشرة مرة) عندما نعلم أن الشاعر قصي عن بلاده، ويعيش حالة “سكر ناقص”، لا يكمله إلا سكر الوطن، الذي يبدو شايه حلواً، حتى ولو كان غارقاً في مرارته، ليكون سكراً آخر، كما يمكن استخلاصه ليس من قصبه، ولا من عنقود عنب، بل من عناقيد الصور، وهي تأتلف في خيط انبهارها بإشراقات المكان:



“سكر الوقت

يحتاج سكرة كي يطيب

ويؤتى حلاوته مثلما كان

كل السكاكر

مهما تقلبّها هاهنا

لا تبوح بأسرارها كلها”

لا تغير للشاي طعماً


وانطلاقاً من عتبة النص، نجد أن الشاعر وهو يقسم نصه الطويل إلى اثني عشر مقطعاً، متفاوتاً في الطول، يكتفي بدلالة العنوان الواحد، وإن كان يترجمه في النص، من خلال تناوله لثنائية “الحلو والمر” كرمزين واضحين، يحاول التحليق بهما، بعد منحهما آفاقاً أخرى، فالحلاوة نسبية، وكذلك المرارة، كما يتم تبادل الحلو والمر، وحلو اللحظة مر، قياساً إلى حلو الذاكرة الذي لا ينفد .


والوقت الذي يشكّل جزءاً من عتبة النص “سكر الوقت” لا يفتأ يظهر خلال النص من خلال ألهبة الصيف الحارق التي يستجير منها بالأمكنة القصية، أو من خلال تعاقب الليل والنهار، أو الاستنجاد بروزنامة الأسبوع (الأربعاء الخميس) وهو يخشى على وقته الجميل، من الانزلاق إلى لحظة الماضي .



يعتمد الشاعر بعض عناصر القص، ليشد من أزر النص الغارق في طوله، إضافة إلى تلك الغنائية التي يعتمدها، من خلال تكرار فاعلن أو جوازاتها، كي يوثق العلاقة بينه ومتلقيه، ما دام يخرج من إسار الحالة الواحدة إلى تعدد اللوحات، التي تترى حين يلتقطها بعدسة سينمائية، ما دام أنه نفسه ذلك الرائي، والشاهد، الذي يقدم سيرة أمكنة وأناس كثيرين، على امتداد مساحات جغرافية، متباعدة، القاسم الوحيد بينها روح الشاعر نفسه:


“أنت لست ترى في الشوارع

غير العيون

تحدق فيك

ولكنها لا تراكْ

إنهم نائمون

يسوقهم التعب المتراكمُ

قبل المغيب

إلى حيث لا يسكنونْ

إنهم نائمون

ويمشون

يجرون

كل إلى بيته

ثم يستيقظون على جرس الشمس

كي يكملوا دورة العيش” .



بيد أن ما يقدمه الشاعر هنا، يتجاوز تماماً ما يمكن أن تقدمه سلسلة الصور المركبة، عن أناس في مدينة كبيرة، تسحق جماليات الروح، من خلال محو ملامحها، لنكون أمام هياكل لاهثة وراء لقمتها، تعيش دورة اليوم، ليسلمها غروب الشمس إلى شروقها، في رتابة ممضة، حيث تغرب معها الروح أيضاً .



إلا أن ثمة ما يخرج عن طوق الرتابة المذكور مما يشبه الثكنة التي يرسم عوالمها، من خلال الاقتراب من جوهر الحياة البسيطة التي تدفع من يعيشها كي ينخرط في لجتها، ويختصر بين حذائه وقبعته:


“في الرصيف الموشّى ببعض

السكارى

وبعض الكلاب الأليفة والصمت

أمشي

أمر على الكائنات المسجاة بين

المقاهي”



إن هذه الحياة البسيطة آنفة الذكر لا تشكلها إلا مقاه ساجية، وكلاب أليفة، وصمت يقرؤه الغريب، بلغة المكان نفسه، ما دام أنه يعانق الحقيقة الموجزة:



“وأعبر بين حذائي وقبعتي

كي أكون بحجم الحقيقة

لا أتعالى على أحد في الطريق

هنا الناس أبسط مما تظن

لذا

سأحاول أن أتعلم

درس البساطة منهم

. . .

قلت لسيدة

كلبها مثلها

لا يسيء إلى أحد

كم جميل هو الكلب سيدتي قلت

فابتسمت: سيدي

أنت أجمل يا سيدي

وابتسمت

هكذا تكسب الأصدقاء هنا

والكلاب”



يكتشف القارئ أن زمن الحدث المتناول، هو الصيف، وهو مختلف عن صيف بلد الشاعر، الذي لا يحن إليه، وأنه بات يتهجى المكان، ولا يبدد وقته بالنوم، فليطل من أجل ذلك النهار المضيف، كي نكون أمام تعارف الشاعر بالمكان، من خلال شخصه، ليكون بالتالي حواراً بين مكانين:


“ . . ياصيف

لست كصيف بلادي

وإن طال يومك

طل ما تشاء

فما جئت حتى أنام

أنا يقظ حيثما كنت

. . . .

. . . .

طعم هذا المكان

جديد علي

وطعمي جديد عليه . . .

نحاول أن نتبادل بعض الطباع

لكي نتعارف أكثر

نفتح باب الحوار

نخبىء ما لا يليق من البوح

بين غريبين

نكثر مما يقرب بينهما

علنا نلتقي”



وسرعان ما يكتشف القارئ أن الشاعر يدفع بالحوار بين هذين المكانين إلى ما هو أبعد:


“أجرد فيها الكلام من الملح

أشهر فنجان قلبي لسكرِهِ

وأصالح بين الصقور

وبين الحمام برأسي . .”



ثمة عمق دلالي يتضح في هذا المقطع، طالما تم تبنيه في إهابه الفلسفي، حول اللقاء بين الشرق والغرب، اللذين لا يصرح بهما الشاعر، في البداية، بل نستدل عليهما من خلال رمز النخيل الذي يلقي بسعفه في الذاكرة، في مواجهة بعض تفاصيل الحياة اليومية، في مدينة أوروبية، سرعان ما يبوح باسمها، وهو يخرج عن المسار الذي افتتحه النص، ليتوحد بلحظة هذه المدينة، وهو يناديها باسمها تحبباً، حاملاً ظمأه السرمدي:


“يا فيينا

رآك الكثيرون قبلي

رأيت الكثيرين فيك . .”


ليغدو الإيقاع أكثر خَطابية، وإن كانت اللغة البسيطة التي قدمها مطلع النص، تتمادى في بساطتها:


“يهيمون مثل البَعوض

بهذي الحديقةِ

في السوق

بين المقاهي

بكل الفنادق

في عربات الخيول

وملء الأزقةِ . . .”


إلى أن يقول وهو يواصل اعترافاته الواحد منهما تلو الآخر:


“أنا وجهك المتصحر

يقتادني عطشي

للندى المتخثر في وجنتيك

فأعشب بالشعر ملء رباك”


كما أن الشاعر يسترسل في المقارنة بين مفردات هذين المكانين، وإن كان سيعمد إلى التلاعب بالألفاظ، وهو لا يزال ممسكاً بعنان غنائية النص، وعذوبته، من دون أن ينسى مواجهة المرارة بالحلاوة:


“أيها الألب

يا أيها القلب

ها إنني أتأبط رمل الجزيرة

والهيل

والقهوة العربية

والحب

ماذا عساك تخبىء لي؟”


وإذا كان الشاعر يقدم بيئته، من خلال جفافها الذي يختصره وجهه، فإن عدسة الشاعر تركز على مفردات البيئة التي يحاورها، من خلال تناولها الرومانسي تارة، والفوتوغرافي، تارة أخرى، وهو ما ينم عن انبهاره بهذا الكشف الطبيعي، الذي “يحيجه” إلى سلم ليرتقيه، ويفك رموز جماله، وإن كان الشاعر يدرك تماماً أن قدميه إذا كانتا راسختين، في مكان غريب، فإن وجدانه معلق بمكانه الأول الذي لا فكاك من أمراسه التي تشد إليها الروح أبداً:


“قدماي هنا

وعيوني

وتراقب ناقة حزني هناك

أيها الوطن المتفيء ظل النخيل

ترجل وقف

لتلوذ النخيل بظلك

حتى أراك”



لأن الشاعر مدرك أخيراً وهو في حضرة هذا المكان السياحي، أن لا شأن له، من دون جذوره المشرشة هناك:



“قامتي

أنت والنخل مجتمعان

إذا طأطأ الرأس بينكما واحد

خلت أن السماء ستسقط فوقي

أنا بكما أتطاول

مهما بعدت

فكونا كما أنتما شامخين

كهذي السماء

لأصعد سلمة في السماء . .!”


فلن ينسيه المكان الباذخ عالمه الروحي، ووضوءه، واستذكار مكة، والأذان الشريف، وهو يصيخ السمع إلى نواقيس الكنائس:


“كلما دق ناقوس هذا البناء القديم

تذكرت صوت الأذان بمكة

ثم توضأت كيما أعلق روحي هلالاً

بمئذنة الكون فيها

وأشرعت صدري

لترحل كل حمائمه نحوها

وتطوف بكعبتها

وتحوم عليها”


وإن كانت روحه دائمة التمحور حول عناوين، وطنه، لا ينفك عنها البتة:


“علمني الصيف في بلدي

حين ينضج تمر المشاعر

أن أتحلى ببعض الحذرْ”


ليخاطب البحر وهو غير بحره مستأذناً إياه أن يدفن بين لججه وفي قاعه سره:


“فها أنت يا بحر بحري


إذا ما دفنت بجوفك سري؟”


وإن كان الشاعر في تلك اللحظة من الكشف، يقرأ إنسان المكان، وهو يرسم ملامحه إنسانه:


“الفرنجة

ليسوا كأرض الفرنجة

خضراء مفعمة بالمحبة

هم كحديد المصانع

يعمل بالكهرباء

ولا يستجيب لحزنك

أو

لابتهاجك

يضحك

يغضب

لكنه آلة

لا حياة بها

قطعة من جليد . .

حسب أزراره يتحرك زر لتقبيل طفل

وآخر للأكل

ثالث للنسمة الباردة


وحين يقفل الشاعر قصيدته بمقطع، وهو يبين علاقته السياحية بالمكان، من خلال إقامته الفندقية، حين يستبد به الجوع، فإنه يروح باحثاً عن رغيف يسد به رمقه، دون جدوى، لأنه في مدينة مختلفة عن مكانه، تنام باكراً، لذلك فإنه يضطر أن يهدهد جوعه حتى الصباح:


“تلفت ذات مساء كلص

بأحد الشواع

أبحث عمن يبيع رغيفاً لآكله

المحلات مقفلة

والمقاهي

كأصحابها النائمينْ

رجعت إلى الفندق المتسربل بالليل

أحمل جوعي ويحملني

تصبحون على ألف جوع

نيام المدينة

ها إنني ذاهب

لأنام” .


إلى أن يرى أبناء المدينة في الصباح الباكر، يستيقظون من نومهم ك”الجنادب”، بعد أن ناموا مثله على الطوى:


“الفرنجة

من كل حدب

بهذا الصباح المُبلل

ينهمرون على مطعم الفندق

المستفيق من النوم تواً . .

ترى

كل هذي الجنادب

كانت تنام على الجوع مثلي؟

صباح الجياع إذن

طاب يوم الجنادب

تلك التي لا تحب المطرْ” .


ثمة رمز مؤكد هنا، فالرغيف في هذه المدينة يقدم لمن يدخلها حسب مواقيتها، وشروط النزل، من دون مراعاة الحاجة الإنسانية التي لا ترضخ لأي شرط موضوع .


وكأن الشاعر يريد أن يؤكد أن “الشرق شرق والغرب غرب”، كما تناولها عدد من مبدعي العربية قبله كالطيب صالح، وغيره .



والشاعر عبر قصيدته الرؤيوية، يحاول إيجاد معادلة مهمة ليقدم ما يمكن تسميته ب”معنى المعنى” بل تجنح قصيدته أحياناً إلى المعنى نفسه، وإن كان ذلك في غلالة من الصور الشعرية، التي يرفعها الإيقاع عالياً، وبخاصة حين يستحضر تفاصيل مكانه الغائب، من ذاكرته، أو يغرق في تفاصيل إنسان المكان وعالمه، بعيداً عن استهلالة القصيدة، وما تناوله في ما قبل نهايتها لطبيعة المكان الذي يبهره، حيث تحلق الصور عالية، بعيداً عن الفوتوغرافية التي قد تقدم نفسها فيها، عندما نكون في حضرة الموضوع أو ما يمكن وسمه بالعلاقة بين الدال والمدلول وفق تعريف ديسوسور، لتكون “حديثة لا حدثية” برغم هيمنة الحدث بلغة الناقد حاتم الصكر .



إن قصيدة “سكر الوقت” وهي “سفر في أسفار” أو “أسفار في سفر”، ترتقي إلى تلك النصوص التي تتمكن من أسطرة المكان، وجعله المعادل في مواجهة الغربة، وبخاصة، حين يتم استلاب الإنسان، واغترابه، ويجعل من القصيدة مطهراً، لإعادة الطمأنينة إلى النفس، والروح، إزاء كل ما يجري للإنسان أجمل ما في الوجود من ضياع أليم، ليكون الشعر احتفاء بالإنسان، ومكانه، وعنواناً سرمدياً للقصيدة .


ولعل الأذن الموسيقية المرهفة لدى الشاعر، وبراعته في رسم الصورة، وإذابة المعنى إلى حد مدهش في لغة بسيطة، مباشرة، أحياناً، ينهلها من معجم الحياة، مباشرة، ومواربة في أحايين أخرى، وراء تألق هذا النص، ليكون أحد النصوص الشعرية المائزة حقاً كما جاء في استهلال هذه القراءة .