حنين الأوراق إلى أصولها
مقال شوقي بزيغ
منذ فترة غير وجيزة تتوالى توقعات المحللين والمنجمين وأهل الاختصاص حول موت الكتاب الورقي أو ضموره التدريجي بحيث يقتصر حضوره في العقود المقبلة على المتاحف والمراكز الأثرية والمكتبات التذكارية . ويستند الخبراء والمحللون في تنبؤاتهم إلى وقائع ملموسة تتعلق بالتطور الهائل لأجهزة الكمبيوتر والإنترنت والكتب الإلكترونية التي تحل تدريجياً محل الكتب التقليدية وتوفر على طالبي المعرفة الكثير من العناء والكد وتكديس الكتب والمراجع المختلفة في غرف المنازل وأروقتها، على أن أحداً من المتنبئين لم يذهب في تشاؤمه بمستقبل الكتب المطبوعة إلى الحد الذي وصل إليه الخبير التكنولوجي الأمريكي نيكولاس نيغروبونتي الذي اعتبر أن أيام الكتاب التقليدي باتت معدودة، وأن وجوده قد يتبخر بالكامل في غضون خمسة أعوام لا أكثر .
كان يمكن لتوقع كهذا أن يصيب شخصاً مثلي بالفرح والغبطة وهو يقف يائساً إزاء آلاف الكتب والمجلدات والمصنفات المختلفة التي التهمت الجزء الأكبر من مساحة المنزل الذي أقطنه في محلة رأس بيروت .
وإذا كان ضميري “المهني” لا يسمح لي برمي أي كتاب أملكه في سلة المهملات، فكيف إذا كان الكتاب المعني يحمل توقيع صاحبه وإهداءه المثقل بالتبجيل والمديح والعواطف الجياشة، ولما لم يعد منزلي البيروتي يتسع لطوفان الكتب الزاحفة ويهدد مستقبلي الزوجي بأوخم العواقب، فقد عمدت إلى ترحيل قسم غير قليل من المكتبة إلى منزلي الريفي في الجنوب اللبناني من دون أن تجد المعضلة الورقية حلها الملائم، ذلك بأن اختياري للكتب التي تم ترحيلها إلى الجنوب بدا بمثابة موقف نقدي سلبي من تلك الكتب التي قد تطيح بها غارة طيران “إسرائيلية” في الحرب القادمة، تماماً كما حدث في حرب تموز حيث باتت بيوت قريتي في الجنوب بمعظمها أثراً بعد عين .
على أن تلك المعاناة مع الكتب لا تعكس إلا حالة الحب والوله التي أعيشها إزاء كل ما تضخه المطابع من إصدارات متنوعة، كما أنها أقل وطأة بما لا يقاس من المعاناة التي أعيشها مع جهاز الكمبيوتر ومشتقاته المتنوعة التي لم أر فيها سوى مؤامرة حقيقية على الطفل الذي كنته أو على الفتى الرومنسي الذي مازال يحتضن أي كتاب جديد صادر عن هذه المؤسسة أو تلك احتضانه لحبيبته العائدة من سفر طويل، فالجلوس أمام جهاز كهذا يشعرني بصقيع العالم وبرودة المعدن وحياديته القاتلة، والقصيدة التي أقرأها على الإنترنت لا أرى فيها سوى نص باهت ومسحوب العصب، مهما كانت تحمل من صدق العاطفة أو سعة الخيال، والناس الذين يتعارفون على “الفيس بوك” لا يعكسون بالنسبة إليّ سوى وحدتهم وشعورهم الخانق بالعزلة فيما لا تستطيع استغاثتهم بالآخر أن تقدم لهم سوى صدى صرختهم في برية التكنولوجيا الصماء .
أعرف أن الكثيرين لا يرون في كلام كهذا سوى دفاع مستميت عن براءة لم يعد يتسع لها زحام العالم الجديد وبراغماتيته المتسارعة، وأعرف أن مستخدمي الكمبيوتر وتقنياته المتعددة باتوا يعدون بمئات الملايين حتى في أكثر بلدان العالم الثالث تخلفاً وفقراً، وأعرف أنني أبدو في موقفي الساذج هذا شبيهاً ببطل تراجيدي يحاول بسيف صدئ وحصان أعرج أن يواجه رتلاً من الدبابات المعادية، ومع ذلك فلا شيء على الإطلاق سيجبرني على حب ما لا أحبه أو كره ما لا سبيل إلى كرهه، وعلى الكف عن التلذذ برائحة الحبر الأسود السائل الذي لا تسلس لي اللغة قيادها إلا بواسطته منذ أن “فككت الحرف” في طفولتي المبكرة وحتى آخر إصداراتي الشعرية أو النثرية، فالقراءة ليست سوى الوجه الآخر من الكتابة، أو قل هي شرطها الأهم للتحقق والإنوجاد، لذلك فهما بالنسبة لي محكومان بالهاجس نفسه والأسلوب إياه، وما دمت لا أجد سبيلاً للقراءة إلا عن طريق الكتاب الورقي فأنا لا أجد سبيلاً للكتابة إلا عن طريق الحبر .
يحاول جلال الدين الرومي في كتابه “المتنوي” أن يستقرئ بعمق ذلك الشجن الخارج من صوت الناي والذي يستحوذ على القلوب، ويسهم في تليين أكثرها قسوة وظلمة، فيذهب إلى القول إن الناي في صوته الأقرب إلى التنهدات والترجيعات الحزينة يبدو كأنه يحن إلى القصب الأول الذي انبثق عنه حنين الطفل إلى أمه والمسافر إلى موطنه الأول، وليست علاقة بعض الشعراء والكتّاب بالورق بعيدة عن هذا التأويل بحيث يبدو حنينهم إلى الورق صدى بعيد الغور لحنينهم إلى الشجر الذي كانه قبل أن يتم تصنيعه ويأخذ صورته الأخيرة، وهم حين يكتبون على الورقة البيضاء يبدون كمن يعيد القصيدة إلى أصلها أو إلى مسقط رأسها الأولي أو كمن يواسي بشكل أو بآخر تلك الكائنات الفردوسية الساحرة، بعد أن أنبتّت عن جذورها الأم وأصبحت سريراً أبيض لحبر الشعراء ومكابداتهم الدائمة .





رد مع اقتباس