مر زمن طويل منذ أن بدأت أنطق حروف لغتنا العربية الفصحى وأخط حروفها وأبدأ مشوار التعلم، ولكن عندما أغمض عيني وأسترجع الماضي الجميل أبتسم من صميم قلبي وكأنه الأمس القريب، أتذكر ذلك الطريق الرملي من المنزل المتواضع إلى المدرسة المتواضعة أيضاً والتي تقع في وسط الحي، وعلى مقربة من الجميع، فنذهب إليها مشياً على الأقدام، ونبدأ بالتسابق للوصول برغبة ملحة، دون ضغط أو إجبار.

على الرغم من افتقارها لعامل الجذب، والذي ينادى به في المحافل التربوية هذه الأيام «البيئة الجاذبة»، و«عزوف الطلاب عن الدراسة، وتدني مستوى التحصيل الدراسي». لم يكن هناك غرف صفية مجهزة بتكنولوجيا عصرية، لم تكن هناك أجهزة تصوير للمراقبة، لم يكن هناك جهاز حاسوب وطابعة، ولم يكن هناك كذا وكذا.

كان هناك مقعد؛ وأقصد بالمقعد كما تعلمنا في الصف الأول «جلس حمد على المقعد»، أقصد به طاولة وكرسياً قطعة واحدة لا ينفصلان، ويتسع لطالبتين «أنا وصديقتي»، وهناك على الحائط الأمامي توجد سبورة ليست بيضاء أو مغناطيسية، لا لا لا، إنها سوداء، ويوجد كذلك طبااااااشير، في الغالب هي بيضاء لتلون وجوهنا وشعرنا باللون الأبيض.

ونتسابق في نهاية اليوم الدراسي لجمع ما تبقى من القطع لحمله معنا إلى المنزل، فبانتظارنا سبورة صنعناها من ألواح الخشب، لنتم ما لم يسعفنا الوقت في المدرسة من إتمامه، فنبقى على صلة بهذه السبورة وهذا العلم. ولا أتذكر رسوب أو فشل واحدة من الصديقات أو الجيران، فالجميع متحمس.

فالمدرسة مزروعة في ذواتنا، ونحن منها بدأنا وإليها نعود، وإن لم نعد سيعود أبناؤنا أو إخواننا، إنها جزء من هويتنا، بل هي هويتنا، منها تعلمنا القراءة والكتابة وحب الوطن، فهويتنا الوطنية ليست شعاراً نرفعه ونردده، بل هي غرس من الأزل، فهذا كتابي أستمد منه معلوماتي، وهذه مدرستي هي منبر العلم الذي ينير طريقي، فهي تحويني، وأنا أنتمي إليها، وهي جزء من وطني ودولتي الإمارات العربية المتحدة، إنها مدرستي، أقولها وأنا طالبة، وأقولها وأنا معلمة.

وأقولها وأنا مديرة، وكيف لي أن أخلص لها كطالب وأجتهد في دراستي إذا لم أقل: هي مدرستي، وأعتز بكوني طالباً فيها، وكيف لي أن أكون معلماً ولا أقول: هذه مدرستي، وأخلص في عملي، وكيف لي أن أكون مديرا ناجحا لهذه المدرسة، ومحرم علي أن أقول: هذه المؤسسة مدرستي!.

منذ متى أصبح المدير يُدان لأن لديه إحساساً بالانتماء لهذه المؤسسة، لأنها جزء من وطنه، ومتى صدر القانون بالحكم على نقل كل مدير يقول: هذه مدرستي إلى مدرسة أخرى، فهي ليست مدرسته، وليست مدرسة من كان قبله.

غاب عنهم أن هذا المدير لم يكتب لوحة باسمه معلقة على جدران المدرسة، وغاب عنهم أن دائرة الأراضي والأملاك لن تصدر صكوكاً بتملك هذا المدير لهذه المدرسة، وغاب عنهم أن أبناء هذا المدير الفقير لن يرثوا عمودا واحدا في هذه المدرسة، وهو يعلم بهذا ويدركه كل الإدراك، ولكنه يعمل بإخلاص، للدرجة التي تنسيه أنه لا يملكها، ولكن ينسبها لنفسه، لأنه بكل بساطة هو ينتمي لهذا المكان بالذات.

فقد قام بالزرع الطيب فيها، ومن يزرع ينتظر الحصاد بفارغ الصبر، ولكن عندما تصبح العقول خاوية ويُنظر للأمور من زاوية ضيقة وتصبح المعاني جميعا مادية خالية من العاطفة ومن الأحاسيس، وخاصة الحس الوطني، حينها تصبح الحياة أيضا ضيقة، وبهذه النظرة المادية البحتة التي اعتاد هذا الحكم عليها، فلا يرى إلا بهذه النظارة العقارية والتجارية، تضيع عندها الوطنية وتصبح قشورا جافة متكسرة، وحينها لا نستطيع إلا القول: على الدنيا السلام، وعلى هويتنا الوطنية أعظم السلام.

كلمات سطرها قلب معلمة، يثور المسؤول في منطقتها في وجه كل من يضيف (ياء) الملكية عند الحديث عن المدرسة التي يعمل فيها، ويأخذ ذلك ذريعة للنقل.






بقلم :فضيلة المعيني