كان معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كما عوّدنا، صريحاً وهو يرد الأسبوع الماضي على ملاحظات لجنة التربية والتعليم في المجلس الوطني الاتحادي حول كليات التقنية العليا عندما قال إن الكليات تعاني من انخفاض الميزانيات المعتمدة. وكان معاليه واضحاً كل الوضوح وهو يقول إن ما ورد من ملاحظات يعود إلى هذه الميزانيات التي ما زالت ثابتة منذ عام 2008م، في الوقت الذي زاد فيه عدد الطلبة أكثر من خمسة آلاف طالب وطالبة خلال هذه الفترة.

استمرار هذا العجز المالي على مدى السنوات الماضية أدى إلى تقليص عدد الطلبة والطالبات المقبولين للدراسة في كليات التقنية العليا، وفق ما جاء على لسان مسؤولين في الكليات ضمنت اللجنة ردودهم على ملاحظاتها في التقرير الذي عرض على المجلس، فكانت المحصلة النهائية للطلبات المرفوضة خلال السنوات الست الأخيرة 17133 طالباً وطالبة، في حين رفضت الكليات في العام الدراسي الحالي 6121 طالباً وطالبة. وقد جعل انخفاض هذه الميزانيات، أو جمودها، المسؤولين في كليات التقنية العليا يتوقعون أن يصل عدد الطلاب غير المقبولين للدراسة فيها إلى 7345 طلباً وطالبة في العام 2012م!

هذه الأرقام التي وردت في تقرير لجنة التربية والتعليم بالمجلس الوطني الاتحادي تتطلب منا وقفة جادة أمام وضع التعليم العالي لدينا، فالتعليم بمستوياته المختلفة، كان ولا يزال محل اهتمام قيادة وحكومة دولتنا منذ تأسيسها، باعتباره الأداة الأهم في صنع إنسان الإمارات، هذا الإنسان الذي اعتبره مؤسس الدولة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه» الثروة الحقيقية لهذا الوطن لأنه يأتي قبل كل شيء.

بل هو أساس كل تنمية وبناء ونهضة تقوم على أرض الوطن. ومن بين كل الإنجازات التي تحققت على أرض الإمارات خلال العقود الأربعة الماضية، يبقى الإنسان الإماراتي المتعلم المستنير هو الإنجاز الأكبر الذي تفاخر به الإمارات وتعتز، لأنه دون هذا الإنسان يفقد كل إنجاز معناه، بل يفقد الحس الحضاري الذي مصدره الأول ومَعْلَمه الأبرز هو الإنسان الذي يضمن المحافظة عليه واستمراره.

كليات التقنية العليا منجز مهم وكبير من منجزات التعليم العالي الذي شهد على يد معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان طفرة كبيرة جعلت من التعليم الجامعي في دولة الإمارات مفخرة ومثلا يحتذى به في التخطيط والتنفيذ والإنجاز والمستوى. ومن هذا المنطلق ننضم إلى معالي الشيخ نهيان بن مبارك في الاعتزاز بما حققته هذه الكليات من إنجازات خلال 22 عاماً من مسيرتها، هذه المسيرة التي خرّجت خلالها أكثر من 48 ألف طالب وطالبة، أصبح الكثير منهم الآن يشغلون مناصب قيادية في مختلف مؤسسات المجتمع.

هذه الكليات التي بدأت بمئتي طالب وطالبة عند تأسيسها، ليصل عدد المنتظمين فيها الآن إلى ما يقرب من 20 ألفاً، هي أكبر مؤسسة للتعليم العالي بالدولة، وفق ما جاء في كلمة معالي الشيخ نهيان بن مبارك التي ألقاها في المجلس الوطني بعد الاستماع إلى تقرير اللجنة. لذلك فإن الوضع المالي الذي تعاني منه هذه المؤسسة التعليمية التي رفدت المجتمع بمختلف التخصصات يجب أن لا يستمر، كما أنه يدعونا إلى أن نولي مؤسسات التعليم العالي مزيداً من الاهتمام، وأن نخصص لها من الميزانيات ما يتيح لها تنفيذ خططها الطموحة، لوضعها في المكان الذي يليق بها بين مؤسسات التعليم العالي العالمية.

لأن الاستثمار في التعليم هو الضمانة الأولى لنجاح أي تنمية في أي قطاع من القطاعات، ودون الإنفاق بسخاء على قطاع التعليم، بكل مستوياته، لا تتحقق النتائج المرجوة من أي إنفاق على القطاعات الأخرى، وهو أمر لا شك تدركه الحكومة، وقد عبر عنه معالي الشيخ نهيان بن مبارك عندما أكد الأسبوع الماضي حرص الحكومة الدائم على تلبية الاحتياجات المالية لجامعتي زايد والإمارات وكليات التقنية العليا لتغطية برامجها الدراسية، مشيراً إلى أن الميزانيات ستكون في المستقبل وفقاً لأعداد الطلبة في هذه المؤسسات التعليمية، منوهاً إلى أن نقص الموارد المالية في المؤسسات التعليمية الثلاث يؤثر على جودة التعليم فيها.

إن وجود معالي الشيخ نهيان بن مبارك على رأس وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بكل ما نعرفه ويعرفه الجميع عن معاليه من رؤية ثاقبة وبعد نظر وطموح لا تحده حدود ولا يقف أمامه عائق، يجعلنا مطمئنين إلى نجاح خطط الارتقاء بالتعليم العالي والوصول به إلى المستويات العالمية التي نتطلع إليها وحل مشكلاته المالية، فقد شهد هذا القطاع منذ أن تولى معاليه مسؤوليته قفزات كبيرة، أحدثت فيه نقلة نوعية من حيث الكيف والكم، ومن حيث أعداد الخريجين الذين أصبح يرفد بهم مجتمع الإمارات ومؤسساته المختلفة، حيث تقف جامعتا زايد والإمارات، إلى جانب كليات التقنية، شواهد على هذه النقلة النوعية، والمستوى المتميز الذي وصل إليه التعليم العالي في دولتنا.

لقد وضع معالي الشيخ نهيان بن مبارك يده على مواقع القصور ووعد بحلها، وفتح في الوقت ذاته آفاقاً للتطوير وسد الثغرات التي يتسلل منها التأخر عن تحقيق بعض الأهداف والغايات، لذلك نجدها فرصة نؤكد من خلالها اعتزازنا بمعاليه، وثقتنا بأن وجوده على رأس هذه المؤسسة هو الضمانة الأكبر لنجاحها، فنحن واثقون من أنها في يدٍ أمينة، كما نتمنى أن تجد التوصيات التي أقرها المجلس الوطني الاتحادي في جلسته الأخيرة الاهتمام الذي تستحقه، وأن تطبق على مؤسسات التعليم العالي كلها، لأنها المصانع التي تعد إنسان الإمارات للمستقبل، وما لم تكن هذه المصانع مجهزة أحسن تجهيز، فإن إنتاجها لن يكون في مستوى طموح معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان ونظرته البعيدة، ولا مستوى الآمال التي نبنيها نحن على مصانع جيل المستقبل.



بقلم :علي عبيد