«بذور الشيطان» للينا كيلاني
* الدستور الاردنيــة
تعالج رواية بذور الشيطان للكاتبة السورية لينا كيلاني موضوعاً لم يطرق ، من قبل ، في الرواية العربية ، إلا لماماً. فالرواية تعالج قضية ذات بعد إنسانيّ عميق يتمثل في نبذ الغرب ، بحضارته ومنجزاته العلمية الموظفة للاستعمار ، والهيمنة على الشعوب الفقيرة والمستضعفة في العالم النامي ، كما تقوم الرواية بتصحيح صورة الإسلام في الغرب ، في ظل الحملة المسعورة عليه ، هناك.
الكاتبة لا تسرد الأحداث ، تركت المهمة لسارد آخر هو "فرانك" أميركي الجنسية من أصل آسيوي درس في جامعات أميركا تخصيب النبات ، رعاه صاحب المزرعة الأميركي "جو" ، وأوكل إليه العمل فيها ، وحضه على البقاء في أميركا بعد رحيل أبويه عن الدنيا. لم يكن فرانك متديناً ، لذا لم ينتسب إلى أية طائفة أو دين ، هوايته المفضلة الكتابة.
أرادت الكاتبة تقديم أفكارها وقناعاتها عبر الأحداث الروائية بعيدا عن الذاتية والانا خاصة وان القضية المطروحة قضية عامة لا تخص الانثى وحدها ولا الرجل بل قضية تهم الإنسان والإنسانية على اختلاف مشاربها وأهوائها وأديانها وطوائفها.
جو يطلب من فرانك الرحيل إلى أفغانستان لينفذ مهمة تتعلق بتخصيب أرض بوار ، إنها تجربة علمية مشبوهة ، تتمثل في زرع بذور غريبة في أرض قاحلة جرداء لم تزرع منذ آماد بعيدة ، كأن أفغانستان لا يكفيها ما يجري بها من أحداث درامية مأساوية منذ عقود عديدة: كأنها لا يكفيها القتل والتشريد اليومي ، فوق أرضها ، منذ التدخل السوفييتي ، مروراً بالانقلابات المتعاقبة ، وصولاً إلى الاحتلال الأميركي والأطلسي لها.
جو ينتظر من المشروع التجربة ، هو والشركة المنفذة ، أن يجنيا أرباحاً طائلة غير آبه بما يمكن أن يلحق الإنسان من أضرار وأخطار على حياته.
فرانك يصل إلى أفغانستان ، وها هو يمتطي القطار متوجهاً إلى القرية الهدف لتنفيذ التجربة. وهو في القطار يتعرض لكوابيس رهيبة ، رأى ـ في ما يرى النائم القلق ـ أفاعي وقردة وأشخاصاً ممسوخين بثياب عجيبة: رأى شيطاناً يمتطي القطار ، ويقهقه سآخراً منه ، ويقول له: "أعرف إسمك ، أعرف نفسك ، أعرف هدفك ، أعرف من أين أتيت؟ ولماذا اتيت؟
والتقاه في القطار أحد كبار السن الأفغان فدعاه إلى بيته. عرض فرانك عليه ، من خلال خريطة القرية الذاهب إليها ، ففهم من الكبير أنها قرية شبه مهجورة ، بعد تعرضها للحرب. قال لفرانك: تذكر أنا صديقك ، ويمكنك أن تأتي إلي أي وقت تشاء.
فرانك شعر بتعاطف إنساني شديد معه ، كما أظهر العجوز اهتمامه فيه كأنه أحد أحفاده ، وأوصاه أن ينتبه ليلاً ، حيث البرد يكون شديداً.
في القطار التقى "موهاد" محمداً الذي جاء لينضم إلى المقاومة الأفغانية ، فسرقوا جواز سفره. موهاد جامعي خريج الهند ، نال شهادة رفيعة ، لكنه عاطل عن العمل ومتشرد ، بات صديقاً لفرانك إذ أطلعه موهاد على صورة الإسلام السمحة ، وأحضر له مصحفاً مترجماً إلى الإنجليزية ، ما أسهم كثيراً في اعتناق فرانك الإسلام ، فرانك الذي كان يناديه موهاد "فريد".
بعد وصوله القرية الهدف ، جاء الفريق المكلف بإقامة المشروع ، وقلب الأرض مرات عدة ، ورواها بالماء الذي أذيب فيه المحلول السري ، وبنسب معينة. رجال جو كانوا يعدون المحلول بحذر شديد ، حتى بعيداً عن فرانك. نزلوا إلى الأرض قبل أن يستيقظ أحد ، وجاؤوا باوعية مبردة ومحكمة الإغلاق ، ثم اخذوا يوزعون البذور وهم صامتون كأنهم يَدفنون أحياء.
عادت الهواجس تطارد فرانك ، بات يرى أرضاً يباباً ، وأناساً عراة هزيلين يقفون في صفوف طويلة وهم يئنون بأصوات مكتومة ، كأن شعاعاً ذرياً ضربهم ، فأفقدهم كل قواهم.
وجد ملفاً سرياً مع الفريق ، كتب عليه: "من يسر به إلى غريب ، فمصيره الموت". علم من الملف أن شركة البذور الغربية تصدر براءة تقنية جديدة ، لاستخدام الهندسة الوراثية ، قامت به جامعات ومراكز بحوث على سلالات القمح والأرز ، وهي تعطي أضعافاً مضاعفة من المحصول. أما البذور المعدلة وراثياً ، فهي لن تنتج محصولاً إلا مرة وأحدة ، وهو ما تريده "الشركة" ، بغية حماية ملكيتنا الفكرية ، وتحقيق عوائد عالية من الأرباح.
اعتمدت التقنية الجديدة حلاً علمياً بالغ الذكاء ، يقضي بقتل النبات بذورَه ، فلا تنبت من جديد ، إذا ما زرعت ، وبذلك يعود المزارع إلى الشركة نفسها ليشتري منها بذوراً جديدة. وبفضل تقنية انتحار النبات ، أو قتله أجنَّتَهُ ، سيقع أمن العالم الغذائي في أيدي الشركة. هذه التقنية الجديدة تستوجب إجراء تجارب على البشر ، وبالتأكيد لن يكون هؤلاء البشر من أميركا.
لقد أصبح بالإمكان إدخال جينات بشرية وحيوانية إلى النباتات ، ولم يبق إلا أن نرى تأثير إبداعاتنا في البشر ، في أماكن بعيدة ، وإجراء التجارب على بشر ليسوا أميركيين. إنه شيطان العلم ، الذي سلب العلم براءته وقدسيته وإنسانيته: إنها علوم الشر التي ستحكم قبضتها على الجنس البشري.
علم فرانك بما يجري ، فهام على وجهه يقول: "رميت بجسدي فوق النباتات المشوهة التي لم تنبت سوى أجزاء بسيطة منها ، فنفذت إلى أنفي تلك الرائحة الخاصة لها. شعرت بالتقزز وانتشلت نفسي من بينها ، وما أن دست بقدمي فوق أجزاء ذابلة منها حتى سمعت همهمة كأنها لبشر ، وأصواتاً مختنقة ، كأنها تأتي من باطن الأرض. تجمدت أوصالي ، كما تجمدت خطواتي. تسمرت في مكاني ، وكأن أيدْ قد خرجت من بين التراب والجذور لتقبض على قدمي".
وطلب مساعدة موهاد ، فقاما بتدميرها ، أما القمح المعدل جينياً ، فقد اشتراه الفلاحون. وتشاء الأقدار أن يجمعه الفلاحون في مكان واحد فهبت ، شرارة نار إلى المستودع ، فأتت عليه.
ويقتص القدر من جو ، فيصاب بالشلل ، كما أن الحكومة منعته من زرع البذور المحسنة وراثياً وتصديرها ، كما أتى حريق على أكثر حقوله المزروعة.
اكتشف فرانك أن الجينات التي يتلاعبون بها ، وراثياً ، جينات حيوانية ، وأخرى بشرية ، إذ ذهب إلى الحقل واقتلع جزرة فكانت مثل لسان بشري. أما الملفوف فكان ينز سائلاً كثيفاً ، وكلما كشطت ورقة منه زاد السائل لزوجة.
في الرواية نرى شخصية "أيشا" ، (عائشة): صبية أفغانية جميلة تعاطفت مع فرانك ، واهتمت في شؤونه ، وساعدته في أعمال البيت. أيشا تمثل المرأة الأفغانية الإنسانة ، التي تتعامل مع الآخر ـ مهما اختلفت معه ، في الدين والجنس ـ حبه لها وحبها له قربا فرانك من الإسلام ، وقبول العيش مع هؤلاء البسطاء. أما والدها ـ شيخ القبيلة المتنور ، والذي يتحدث اللغتين: الروسية ، والإنجليزية ـ فيفاجاأ أن البذور الحقلية بذور شيطانية.
الرواية مليئة بالتضاد: فالشخوص فريقان: فريق الخير ـ ممثلاً في فرانك ، أيشا ، موهاد ، مريام ابنة جو والعجوز الأفغاني ووالد أيشا ـ وفريق الشر ـ ممثلاً في جو وشركاه ، وفريق العمل المشرف على التجربة. وإذا كان جو أصيب بالشلل ، فإن فرانك بحث عن خلاصه: فقبل بحياة البسطاء والعيش معهم ، واعتناق دينهم والزواج منهم.
الخصوبة التي جاء بها الفريق خصوبة عقيمة ، روحياً ، ولا يستعمل منتوجها إلا لخدمة أهداف استعمارية واستغلالية ضد الإنسانية والشعوب المقهورة ، خاصة.. إنه فضاء الخبث والقبح والحقد والأنانية والسيطرة والهيمنة على الآخر.
يقابله فضاء أفغاني: أرض جرداء ، جبال شاهقة يطلق عليها الجغرافيون "قبة السماء" ، لكنه فضاء يعج بالأجواء الروحية ، وتغمر أناسه القيم الإنسانية النبيلة التي أثارت إعجاب فرانك ، فاعتنقها طارحاً جانباً المادية غير العابئة بالعواطف والتكافل الإنساني.
تجسد حياة الناس ، في الخيام ، البراءة والتعاون والتآلف: فهم أسرة واحدة ، حيث الطفولة الإنسانية مجسدة بأيشا ، وصنيعها مع فرانك. فضاء القرية المفتوح منح فرانك استقراراً نسبياً ، بخلاف فضاء القطار المغلق: فضاء القرية فضاء الثبات وعدم القدرة على التحول ، وفضاء القطار فضاء القلق والاضطراب وعدم الاستقرار.
رواية إنسانية تدعو إلى المحبة والسلام ، وتحقيق العدل ، في العالم ، وإقامة علاقات إنسانية بين البشر ، جميعاً ، في زمن العولمة اللاإنساني: عالم تصلبه المادية فوق صليبها المعقوف. الرواية مساحة للرؤيا بين عالمين متناقضين: أحدهما يمور بالخداع ، والآخر يبحث عن النقاء.
الكاتبة تحمل الماجستير في الاقتصاد الزراعي من الجامعة الأميركية ببيروت ، والنص الروائي غير بعيد عن ثقافتها ودراستها.






رد مع اقتباس