سيدة الجهات
مقال حبيب الصايغ
* دار الخليج
الجهات كلها شمال، وللشمال في القلب لغة العواصف والعواطف . للشمال أعماق الصخر في الجبال العالية، ورنيم الشواطئ الوحيدة وهي تغزل قصائد غزلها بحروف النور . جهة لكنها تمر في الروح وكأنها رائحة، وسرعان ما تنتشر كل صباح في الأفئدة، والشرايين، والسواعد، والأكف، وخطوط الأكف، وبصمات الإبهام، وبصمات الأعين، وخفقات الضمائر، وجذور التجارب على مرور الأيام والأعوام .
ولا يعرف بعد من أين تأتي جهة الشمال، ولا إلى أين تقصد أو تتجه . الدراسات والبحوث في هذا الشأن مازالت تتواصل، تسرع حيناً، وتبطئ حيناً، علوم الجغرافيا والجيولوجيا والأنثربولوجيا، وعلم الاجتماع تحتشد معاً، في قوة واحدة، وتنتظم انتظاماً، ثم تقول كلمتها وكأنها نبضة الكون في منتصف الوهج، أو كأنها نبضة الكائن الأخيرة .
فمهلاً مهلاً يا شمال الجهات . يا سليلة تاريخ مليء بالغصص والغصص، وبالأحوال والأهوال . مهلاً يا شمال الجهات، فالقليل من التواضع لن يضر، ومطلوب الآن التريث قليلاً حتى تمر الجهات الباقية، فربما لديها أيضاً ما تقول . ربما كانت ما تزال مبتدئة، وربما لا يتجاوز ما لديها طور المحاولات، لكن ما العمل؟ . . بعض التواضع يا سيدتي جهة الشمال . بعض التواضع لا الانكسار، فمثلك لا ينكسر حتى تحت أشعة الشمس الحارقة، فأنت المعنى البعيد المتكدس يا سيدتي وراء الشمس، مكوناً ذلك الشعاع البديع النحيل منذ الأزل إلى أبد الآبدين .
وأحياناً يتساءل الإنسان، خصوصاً الشاعر: ترى هل يمكن الشعر لو أن الجهات من دون الشمال؟ . لو أن الجهات ثلاث فقط، لكانت جهة الشمال هي الأحجية أو اللغز، ولبقي الإنسان يبحث، طول عمره، عن عمره، ومعناه، ووجوده في الوجود .
سيدتي سيدة الجهات: هل وصلتك رسالتي الأخيرة .
أغلب الظن أن سعاة بريد غابرين ضيعوها قبل أن يموتوا بالسكتة القلبية، وأصبح من واجبي الآن أن أقاوم قلبي بكل حجج العقل، إلى أن تصل رسالتي الضائعة .
وعذراً يا سيدة الجهات، روحي لك، لكن الظروف، للأسف، قاهرة .






رد مع اقتباس