إذا كنت من المترددين على مستشفياتنا، طالباً لعلاج أو زائراً لأحد المستشفين فيها، حفظ الله الجميع من كل سوء، فربما استرعت انتباهك لوحات موزعة في قاعات الانتظار ومعلقة على جدران غرف المرضى، مكتوب عليها (لك حقوق).
أتوقع أن الكثيرين لم يلاحظوها، أو أن من لاحظها لم يلق لها بالاً، بحكم أن ثقافة الحقوق لدينا غائبة أو مغيبة، وأنها في مرافقنا الصحية، على وجه الخصوص، شبه معدومة، بحكم طبيعة التعامل بين المرضى ومقدمي الخدمات الصحية في بلداننا، وبحكم الخبرة التي اكتسبها المترددون على هذه المرافق، الذين تضطرهم الحاجة إلى التنازل عن هذه الحقوق.
ليس بمحض اختيارهم بالطبع، وإنما لعلمهم أن المطالبة بها عملية محكوم عليها بالفشل، وأنها محاولة يائسة لن يجني من يقوم بها سوى إضاعة الوقت، ناهيك عن الألم والحسرة اللذين سيشعر بهما للمستوى الذي وصلت إليه خدماتنا الصحية، رغم كل محاولات تحسين الصورة التي تقوم بها الجهات المسئولة عن هذه الخدمات بمختلف أشكالها وانتماءاتها.
لا نقول هذا من باب إطلاق الأحكام دون دليل أو برهان، وإنما نتيجة تجارب راكمت لدى كل واحد منا خبرة جيدة، ومخزوناً نستطيع أن نستدعي منه ألف دليل على أن (وثيقة حقوق المرضى وعائلاتهم) التي تعلقها مستشفياتنا على جدرانها وتوزعها مكاتب علاقات العملاء فيها، ليست أكثر من منشور أفلاطوني.
لا وجود له إلا في (المدينة الفاضلة) التي وضع أسسها الفيلسوف الإغريقي الشهير، وفق معايير من الصعب تحقيقها في ظل الواقع الذي نعايشه ونراه كل يوم متجسداً أمامنا.
ولكن قبل أن نطلق حكماً مسبقاً على هذه الوثيقة، دعونا نستعرض أهم بنودها، ونضعها على ميزان الواقع، لنعرف إلى أي مدى نحن منصفون أو ظالمون للخدمات الصحية في مستشفياتنا.
تقول الوثيقة إن من حقك الحصول على رعاية طبية تتسم بالمساواة، ومراعاة واحترام معتقداتك وقيمك الشخصية من قبل كافة الموظفين، دون أي تفرقة، وذلك حسب الأنظمة واللوائح.
والحصول على العناية العاجلة في الحالات الطارئة أو عند الحاجة ومن دون أي تأخير، ومعرفة اسم وتخصص الطبيب المسؤول عن علاجك، والحصول على معلومات شاملة بطريقة مبسطة ولغة مفهومة بشأن حالتك المرضية (نظام العلاج المقترح وميزات العلاج ومخاطره... إلخ).
وإعطاء موافقتك الكتابية مسبقا قبل القيام بأي إجراء يتطلب هذه الموافقة، وذلك بعد حصولك على كافة المعلومات التي قد يحتاج إليها هذا الإجراء، والمشاركة في اتخاذ القرار بشأن طريقة علاجك.
حيث إن الجهات الصحية تشجع كلاً من المريض وذويه على المشاركة مع كادر الأطباء والتمريض في عملية تخطيط وتطبيق العلاج، والتمتع بالخصوصية أثناء وجودك بالمستشفى أو المركز، وذلك خلال إجراء جميع الفحوصات والإجراءات والعلاجات، وكذلك الحفاظ على سرية كافة المعلومات الخاصة بك.
ويحق لك رفض العلاج (إذا رغبت في ذلك)، وحينئذ إعلامك من قبل الطبيب المعالج بالتبعات الصحية المترتبة على هذا الرفض، وعليه سوف توقع على إقرار معد لهذا الغرض.
كما أنه من حقك تقديم الملاحظات والاقتراحات أو الشكاوى حول الخدمات، وذلك عن طريق قسم ضمان رضى العملاء، وأخيرا من حقك الحصول على تقييم وعلاج الألم، وذلك عبر الطرق العلاجية العلمية المتعارف عليها، بالإضافة إلى حصولك على كافة المعلومات اللازمة بهذا الشأن.
كلام جميل، لو تحقق شيء منه على أرض الواقع لما عدنا بحاجة إلى مستشفيات ألمانيا وإنجلترا والولايات المتحدة، ولأصاب الركود حركة السفر بين الإمارات وبانكوك، ولأقلعت الطائرات خاوية، ولم تستغلنا شركات الطيران في مواسم الإجازات، ولحل الكساد بالسياحة العلاجية في تايلاند.
ولم تعد مستشفياتها ملاذاً للمرضى من غير ذوي الحظوة الذين يقف أطباء مستشفياتنا حائرين أمام حالاتهم، يصيبون مرة ويخطئون مرات، أولئك الذين ترفض لجان العلاج بالخارج تقاريرهم.
ولا تسمح أحوالهم المادية بالسفر إلا إلى بانكوك وما جاورها من بلدان شرقي آسيا، باحثين عن التشخيص والعلاج السليم لحالاتهم، أو تصحيح ما ارتكبه أطباء مستشفياتنا وطواقمها التمريضية من أخطاء لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
جميل أن تكون لدينا وثيقة لحقوق المرضى وعائلاتهم، لكن الأجمل في اعتقادنا هو أن يعرف الأطباء والممرضون واجباتهم ويؤدوها على الوجه الأكمل، فهذه الوثيقة تصبح عديمة الجدوى عندما تطلب الطبيب المعالج لتتشارك معه في (عملية تخطيط وتطبيق العلاج) تنفيذاً لمبدأ (المشاركة في اتخاذ القرارات بشأن طريقة علاجك).
كما تنص على ذلك الوثيقة، ثم لا تجد هذا الطبيب الذي يغدو شبحاً تسمع عنه ولا تراه، أو يتعاقب عليك الأطباء ويبدي كل واحد منهم رأياً يختلف عن الآخر، فيوقعونك في حيرة أنت في غنى عنها.
وحين تخطئ الممرضة في إعطاء الدواء الذي كتبه الطبيب للمريض فينتكس وتسوء حالته، تصبح أية وثيقة من أي نوع مظهراً جمالياً لا يحتاجه المريض ولا ذووه ولا الأوصياء عليه.
وحين تزود ممرضة زميلتها بمعلومة خاطئة عن درجة حرارة المريض أو نسبة السكر في دمه فتوشك الأخرى أن تعطيه علاجا يكاد يودي بحياته لولا يقظة أهله ومرافقيه ومراقبتهم الدقيقة لما يفعله طاقم التمريض، وسؤالهم عن كل حبة دواء تعطى لمريضهم قبل أن يتناولها، لا يعود لهذه الوثيقة وقع أو أثر.
الأمر، في رأينا، أكبر من وثيقة قد نعتبرها مظهراً حضارياً جميلاً، لكنه مفرغ من المضمون إذا لم نرَ محتواها مجسداً على أرض الواقع، أكثر منه لوحة معلقة على جدران مستشفياتنا تقول إن لنا حقوقا لا نعرف كيف نحصل عليها، ولا يستطيع مقدمو الخدمات الصحية أن يضمنوها لنا، في ظل ما نراه ونعيشه بين جدران هذه المستشفيات وداخل أسوارها.
بقلم :علي عبيد





رد مع اقتباس