حـسـن حميـد والذهنيـة الـعـربيـة
د. راشد عيسى
الدستور الاردنيــة
د. حسن حميد مثال لائق بالأديب المثقف ، فأغلب مبدعي الأدب ، في العالم ، هم مثقفون تنويريون يكتبون المقالة ، أو النقد ، إلى جانب الرواية ، أو الشعر ، حتى إن بعضهم يعمل في الصحافة الثقافية ، وقد بات هذا الأمر سائداً وطبيعياً ، فالتجليات الإبداعية ـ في الأدب ـ لا تكفي للتعبير عن قلق الأديب ، وحراكه بين وجدانه ووجوده.
نعرف حسن حميد روائياً وقاصّاً وإعلامياً وإدارياً ثقافياً ، وفي كتابه الجديد المتميز ، "الذهنية العربية" ، نتشوّفه مفكراً وجوّاباً فطناً ، في آفاق العقل العربي ، وأروقة النفس الاجتماعية ، متناغماً بين ما هو علم اجتماع ، وما هو تاريخ ، وما هو ثقافة أنثروبولوجية ، وأعراف سوسيولوجية لها تعالقها المكين مع أروقة الفكر العربي ، وجدليات تطوره.
يحفر الكاتب ، عمودياً ، في الذهنية العربية في مقاربات معرفية تحاور الثوابت ، وتضيء صيرورة المتغيرات. فجوهر الكتاب متمركز في تشخيص هذه الذهنية الملتبكة ، بشجاعة تعبيرية في الاستقصاء ، والمقارنة ، والتحليل ، والاستنتاج ، وباتكاء نبيه على ما هو أدبي وفلسفي واجتماعي ، لكأن هذا الكتاب امتداد رؤيوي ناجح للدراسات التي تتناول العقلية العربية ، بمصارحات بارعة ، وسيمياء توثيقية. فالكتاب ـ في الأصل ـ أطروحة الدكتوراة ، التي أفرغ فيها حسن حميد الجانب الفكري في كينونته الأدبية المبدعة ، أو قُل: الجانب الثقافي الفلسفي المنحاز لانتصار الإنسان العربي. يقع الكتاب في عشرة فصول تتناول محددات الذهنية العربية ، وسوسيولوجية المجتمع العربي ، ومنظومة القيم ، والأطوار ، والسلطان ، ورجل الجند ، والشاعر ، والمرأة ، والتحالفات. أي أنه أقام دراسته على خصائص الشخصية العربية ، في نماذجها الأبرز: تلك النماذج الممتدة في سيرورات العقل العربي ، حتى الآن. يقول حسن: "إن قراءة الماضي العربي ، سوسيولوجياً ، لا تعني ـ بأي حال من الأحوال ـ القفز فوق الحاضر ، أو تخطيه وتجاهله ، وإنما تعني الكشف الجديد ، أو اليقين الجديد للراهن الباحث عن إجابات عن أسئلة ممضة صعبة ، جارحةً ومحرجةً ، تتمثل في هذا السؤال الدامي: لماذا كنا ـ في الماضي ـ خير أمة أخرجت للناس ، وبتنا ، اليومَ ، بلا حول ولا طول ، بلا تأثير؟"
لقد اجتهد نخبة من المفكرين العرب ، ونجحوا ـ إلى حدّ جيد ـ في تفسير منظومة من ملامح الشخصية العربية ، والمسار التاريخي والاجتماعي والسياسي للأمة العربية ، وفكرها ، غير أن حسن حميد ، هنا ، مكاشف غيور جريء ، أفاد من ثقافته الخاصة ومن تجارب سواه ، من المفكرين ، ليطرح رؤاه بتفصيل أدق ، وأكثر تنوعاً وشمولاً ، وأغزر تمثيلاً وشواهد ، من دون أي انحياز عقدي ، أو إيديولوجي ، أو شوفوني ، بلا أي عصبية قبلية سوى الفكر الشعوري المنتمي لأمته ، المعتز بها ، المعاتب ـ بمحبة ـ والغيور عليها ، الخائف عليها منها.
ومن أبرز مشاهد التشخيص السوسيولوجي ، في الكتاب ، تحليل البنية العقلية للعربي المتشظي بين ماضيه وحاضره ، على نحو قوله: "الشخصية التقليدية واقعة بين معرفتين: معرفة ماضوية ، ومعرفة راهنة: الأولى مدركة ، ناجزة ، في التدريب والتأهيل والإعداد (مأخوذة عن الآباء ـ في أغلب الأحيان ـ أو أن الآباء قاموا بشرح طويل عنها) ، والثانية مجهولة ، غامضة ، إن تقبلها العقل رفضتها العادات والتقاليد ، وإن سندتها الشخصية أوقعت المجتمع ، وإن رضيت عنها الشخصية الفردية سخطت عليها الشخصية الجمعية".
ويتعمق الكاتب ، في مناقشة كل طبقة من طبقات المجتمع ، لبيان الآثار السلبية الحضارية على مسار الفكر العربي ، والشخصية العربية ، فيقول: "إن انحسار دور العلاقة بين الفرد والدولة ، في المجتمع العربي ، أدّى إلى النكوصية نحو أبوية العائلة والعشيرة والطائفة ، وتجسيد مقولات الهيمنة ، وطيّ الفردية: أي طيّ المبادرات والاشتقاقات الجديدة ، فالصواب ما يقوله الأب ، والحمد ما يحمده الأب ، أياً كان ، وبهذا الانحسار ضعف دور الطبقة المتوسطة ، في المجتمع ، بوصفها طبقة ذات حيرة بادية".
إن تشخيص ملامح الشخصية ، عند أمة ما ، منهج فكري فلسفي اجتماعي ، مهم لتخطي الحاضر إلى مستقبل أفضل ، ولا يقدر على هذا التشخيص إلا أولو البصائر من المفكرين ، لا سيما ذوو الثقافة الإبداعية ، على غرار د. سوزوكي الذي حلل الشخصية الغربية ، والشخصية الشرقية ، تحليلاً سوسيولوجياً ناجحاً ، إلى حدّ كبير ، فوصف الشخصية الغربية بأنها منظمة ، جمعية ، مخططة ، تستند إلى التحليل العقلي ، مصممة ، صبورة. وأرى أن الشخصية الشرقية عاطفية ، فردية: مخططها قصير ، متعجلة ، اتكالية ، متسرعة... ألخ.
وأحسب أن حسن حميد كان نبيهاً ، عندما تساءل: لماذا لا توجد مفردات ومفاهيم ، من مثل: السؤدد ، والشرف ، والفخر ، والمجد ، والعزة ، وغيرها ـ من مفاهيم الزهو الذاتني الواسع ـ إلا عند العرب؟
نعم ، العربي مشغول بالمفاخرة ، إنْ شخصياً ، وإن عشائرياً: مشغول بغيره ملامزةً وتنابزاً ومعايرة ومحاسدة ومكايدة وظناً آثماً. لكأن نجاح الآخر فشلّ له. حاول الكاتب ، في جميع المحاور ، أن يفتش عن إجابة شافية تشخص مثل هذه الظواهر ، وقد أحال بعضها إلى تأثير البيئتين: الطبيعية ، والاجتماعية: "فالفرد عاش حرية شخصية لا حدود لها ، ولم يعش حرية اجتماعية فيها أنظمة وقواعد وقيم وحوار ، مع الآخر ، وانفتاح ، على العمل والمنافسة الشريفة".
وفي الختام أرى أن هذا الكتاب القيّم إضافة نوعية لجدل العقل والحضارة ، عند الأمة العربية ، يمكن الاستناد إليه بقوة واطمئنان ، على طريق الفكر العربي التنويري الجديد.






رد مع اقتباس