فيلم «كارثة غزة» : مآسي الحرب بعيدا عن الترميز

* الدستــور الاردنيـة




وسط عتمة الحصار ، وعلى ضوء "ولاعة" السجائر ، استهل المخرجان سمير عبدالله وخير الدين مبروك مشاهد فيلمهما الوثائقي "كارثة غزة" ، الذي عرض أمس الأول ، ضمن مهرجان كرامة لأفلام حقوق الإنسان ، وهو المهرجان الذي تنظمه شبكة الإعلام المجتمعي ومؤسسة معمل 612 بالشراكة مع المركز الثقافي الملكي وبدعم من المركز الوطني لحقوق الإنسان.

بلهجة غزية حميمة ، وأصوات تتهدج قلقا وارتباكا على الرغم من روح النكتة الحاضرة في أحلك الظروف ، وعلى وقع قصائد الراحل محمود درويش عن غزة ، يبوح غزيون بآلامهم ومآسيهم جرّاء الحرب "الإسرائيلية" المسماة بـ "الرصاص المصبوب" في نهاية العام 2008 ومستهل العام 2009 ، مع مشاهد وثائقية من قلب الأحداث في ذلك الحين.

"متدين يهودي طخ 12 طلقة على بناتي الثلاثة وإمي" ، "يوم شفت شو صار فكرت زلزال أو إنه خلصت الدنيا" ، "أعدموا الختيار اللي عمره 85 سنة في الدار هذيك" ، "شلّحوه إلا من الكيلوت وخلّوه يمشي لدوار السلاطين وهو حامل مرته المحروقة" ، "صرت من تحت الهدم أطول أولادي. سحبت بنتي اللي عمرها 12 يوم من إيدها ولقيتها لسة عايشة".. شهادات نقلتها كاميرا على درجة متواضعة من الفنية ، ومن دون الاستناد لعامل الموسيقى التصويرية ، ومن وسط الركام والدموع الذي أعقب الحرب بأيام.. شهادات قد تبدو مألوفة لدى الشعوب العربية التي تابعتها على الهواء مباشرة إبان الحرب ، بيد أنها حتما لن تكون كذلك لدى الجمهور الغربي ، والفرنسي تحديدا (إذ إن إنتاج الفليم فرنسي ، كما عُرًض على شاشة فرنسية) ، وهو ما يجدد القناعة بضرورة التركيز على عرض المأساة الفلسطينية لدى العالم الغربي ، وليس لدى العربي الذي غالبا ما يكون قد حفظ الرواية عن ظهر قلب ، حتى غدت من دون تأثير يُذكر لدى البعض.

استعراض الواقع الفلسطيني لا يتطلب عناء الترميز أدبيا أو فنيا: إذ تكفي عبارات ك "فش طيور بعد الحرب" ، "دعسوا الحمام بالدبابات" ، "حتى الحمام رفض يترك فلسطين وما طار وقت الحرب".. كما تكفي مشاهد حقيقية كدراسة أطفال غزة فوق الركام ، والدواب الصرعى والمحروقة و تلك المكسورة أطرافها ، و"الختيار" الغزي الذي يروي حكاية حرب غزة بمواويله ، بعد أن قصف الصاروخ عوده الذي كان يدندن عليه ، والحجارة المهدمة التي يعيد الغزيون تجميعها لبناء مساكنهم مرة أخرى..

عبارة تكررت أثناء الفيلم ، مثلت نقطة سلبية فادحة ، وهي قول غزيين "كمان انتصارين زي هالانتصار ما بضلش ولا غزاوي".. قد تحمل العبارة الآنفة طابعا عفويا لشعب منكوب خاض حربا غير متكافئة ، بيد أن تكرارها قد يسهم في تحميل الفلسطيني جزءا من مسؤولية الحرب أمام العالم ، على الرغم من كون ذلك غير صحيح إطلاقا ، وهو ما قد يفضي لنتيجة سلبية حين يُعرض الفيلم في محافل عالمية.

لربما تكون فراولة غزة ، تربيتة الحنان اليتيمة في نهاية الفيلم.. فراولة كقلوب الغزيين ، قد تتضعضع بفعل الاحتلال والحروب التي ما انفكت تُفرض عليها منذ الأزل ، بيد أنها تبقى زاهية تلتمع تحت وهج شمس غزة ، لتبرهن للعالم أن ثمة ما يستحق الحياة هناك..