حرب الأجيال
مقال خيــري منصـور
* دار الخليج
كتب الكثير عن صراع الأجيال، وقد يكون هذا الصراع هو محور التاريخ وأشد أوتاره حساسية، ما دام كل جيل يدافع بقوة عن مرجعياته المعرفية والأخلاقية، ويرى بما هو جديد أمراً طارئاً يهدد قناعاته المستمرة بالاضطراب والخلخلة .
والحرب الخفيّة التي تدور الآن بين جيل وُلِدَ عشية الحرب العالمية الثانية، وجيل وُلِدَ من رحم العولمة بعد انتهاء الحرب الباردة، تتجلى في تفاصيل يومية، بدءاً من عادات وأعراف حتى أساليب التفكير وأنماط الممارسة، وقد تقدم هذه الحرب الناعمة عيّنات داخل البيت الواحد . مادام هناك آباء يتشبثون بما يعتقدون أنه من الثوابت، وأبناء لا يترددون في إعلان شكوكهم بهذه الثوابت لأن ثقافة ما بعد الحداثة أسقطت هالات القداسة عن منظومات معرفية وأخلاقية، واعتبار قانون التغيير هو الثابت الوحيد في التاريخ البشري، ولا يضطر من يرصد هذه الحرب إلى الذهاب بعيداً في عالم الأفكار والمفاهيم المجردة، لأن مجرد التعامل مع الفنون كالغناء والسينما والرسم هو مظهر من مظاهر هذه الحرب .
فما يطرب له جيل جديد قد يكون سبب انزعاج وغثيان لجيل أسبق، لكن المفارقة هي أن من يضيقون بالجديد كانوا ذات يوم يجسدون ما هو جديد، بل مستهجن في صباهم .
وما يبدو الآن تقليدياً من الغناء والحراك الفني، لم يكن كذلك قبل نصف قرن . وما يقال الآن عن مطربين وفنانين من الجيل الجديد، قيل أضعافه عن رموز الفن ومشاهيره في ستينيات القرن الماضي، وهذا ما يجعل المسألة برمتها أمراً نسبياً، لكن الاستثنائي في الحرب الراهنة بين ذائقتين وحساسيتين ومزاجين هو التسارع غير المسبوق في التقدم التكنولوجي، فكل أداة تخترع سرعان ما تخلق عادات جديدة للتعامل معها، لهذا يعتبر الهاتف النقال انقلاباً مزدوجاً شمل التكنولوجيا والسايكولوجيا معاً، لأنه غيّر جذرياً نمط الاتصال بالآخر، وأتاح للإنسان أن يكذب إذا شاء، وأن يكون حاضراً أو غائباً حسب رغبته، بعكس ما كان عليه الحال في الماضي القريب .
وإن كان هناك الآن ما يشبه الهُدنة بين جيلين، فذلك من باب التواطؤ والتسليم بالأمر الواقع، فمن امتنعوا لفترة عن استخدام الهاتف النقال أو الإنترنت وجدوا أنفسهم مضطرين إلى ذلك، والاستعانة بمن كانوا قبل قليل محلّ إدانة . والقول إننا نعيش تاريخاً آخر ما بعد التاريخ قد لا يكون مجازفاً، فالمتغيرات عندما تتجاوز الكمي إلى النوعي يصبح كل شيء عرضة لفقدان ثوابته ومجمل الأفكار المتوارثة عنه، لكن ما يجب التذكير به هو أن الكثير من اختراعات الأمس هدد للوهلة الأولى كل ما سبقه، فحين ظهرت السينما أوشك الناس على نعي المسرح، لكنه استمر وتطور، وحين اخترعت الكاميرا قيل شيء مماثل عن الرسم، لكنه أيضاً استمر وتطور، بل أعاد الاعتبار لمن رحلوا ولم يهتم بهم الناس في زمانهم، فأصبح ثمن لوحة لفان غوخ الذي مات منتحراً وجائعاً، يعادل ثمن مئة سيارة فاخرة .
إن كل نظريات التبشير وأطروحاته بالانقطاع عن التاريخ هي من صناعة ثقافة طارئة .





رد مع اقتباس