عندما خالف ابني الأكبر تعليمات استخدام الدراجة النارية وخرج بها إلى محطة الوقود المجاورة وعاد إلى البيت من غيرها، تنفست الصعداء لصنيع شرطة الضبط المروري التي صادرت الدراجة، ولا أبالغ إذا قلت إنها وضعت حدا لصداع يومي لا يتوقف، وأزالت عن كاهلنا عبئا كان يجثم على الصدور، كما أنهت حالة الابتزاز العاطفي الذي يمارسه الأبناء في كل بيت على ذويهم، من أجل شراء أشياء لا تتحقق لهم منها أي مصلحة، سوى متعة لحظية كثيرا ما تتحول إلى مأساة.

مساء كل يوم خميس يبدأ الإزعاج وتكثر الحركة والأصوات في الأحياء السكنية، ومصدرها دراجات تزأر محركاتها طوال الليل وحتى ساعات الصباح، بعض السكان يتجاهلون ذلك الإزعاج والبعض الآخر يبلغ السلطات المختصة، لوضع حد لهذا الإزعاج ومعه وقف للنزف الأسبوعي الذي تشهده الطرقات الخارجية وكذلك الداخلية، وضحاياها هم ركاب الدراجات النارية وتفجع الأسر بفقدان أبناء في ريعان العمر.

ما يحدث في معظم البيوت من إصرار الأبناء على اقتناء دراجات بمواصفات تفوق قدراتهم الجسدية في السيطرة عليها، يقابله رفض قاطع من الآباء لا يلبث أن يتلاشى ويضعف أمام رغبتهم في إرضاء الصغار عن قناعة أو من غيرها، تحت وطأة محاكاة أبناء الأقارب والأصدقاء والجيران، وتقليد الآخرين، مطعما بأوهام تقنين استخدام مثل هذه الوسائل (القاتلة) ووضع شروط الاستخدام، مع اليقين بأن مفعول ذلك لا يدوم أكثر من أيام معدودات، يفعل الأبناء بعدها ما يحلو لهم، وتصبح الأمور جميعها خارج السيطرة.. وهذا في معظم الأحيان يقع تحت ما يمكن تسميته برضوخ الكبار لرغبات الصغار، مهما كانت تلك الرغبات خطرة وتهدد سلامتهم وصحتهم، وتقلق راحة كل من في البيت خشية سوء الاستعمال، وترقب مغبة ذلك.

ليس في الأمر أي مبالغة إذا قلنا إننا لا نملك في أوقات كثيرة القدرة على السيطرة على رغبات الأبناء، حين نضعف أمامها ونحقق طلباتهم رغما عنا، وإن أبدينا عكس ذلك في محاولة لإظهار أن ما فعلناه إنما هو بإرادتنا، ونبدأ لإضفاء قوتنا على الموقف بفرض شروط لا يستمر مفعولها طويلا.. لكن ما يثير في هذا المشهد، هو أنه ليس أكثر من حلقات في دوامة الفر والكر، هذا يبيع وذاك يشتري وثالث يضبط ويصادر ويعيد البيع في مزادات علنية، لتعود من جديد إلى الأيادي نفسها.. وكأنك يا أبو زيد ما غزيت




بقلم :فضيلة المعيني