157 فيلماً وحضور كثيف للسينمائيين والجمهور في دورته السابعة

«دبي السينمائي».. حافل بالسحر








هذه إذن هي الدورة السابعة من مهرجان دبي السينمائي الدولي تطوي أوراقها وترحل، تاركة وراءها أسبوعا من السينما والسينمائيين العرب والأجانب، ومن الأفلام ذات التوجهات والانتماءات المختلفة والمتميزة، القصيرة والطويلة، الروائية والوثائقية، الواقعية والخيالية، وذلك كله يضاف إليه عدد من التظاهرات الفنية المرتبطة بالسينما، من ندوات ومؤتمرات وورشات عمل تعالج مشكلات السينما وتطرح أسئلتها على بساط البحث، فيلتقي السينمائيون العرب والأجانب لبحث تلك المشكلات ومعالجة تلك الأسئلة.


كان معنا أسبوع للسينما المحلية والعربية والعالمية، لالتقاء الوجوه والأجناس والألوان واللغات والثقافات. أسبوع للجماليات التي تنطوي عليها الأفلام، وللخراب والعنف والموت الذي تتناوله بأدواتها الخاصة. أسبوع حضرت فيه السينما من أرجاء العالم كله، واحتفل المشاركون فيه بأشكال مختلفة من الممثلين والمخرجين العالميين، والأفلام التي تعرض للمرة الأولى، والفنانين الذين يعرضون تجاربهم في ما يقارب عشرين صالة عرض على درجة من الفخامة والتجهيز.


نتحدث هنا عن مهرجان دولي بكل معايير الدولية، مهرجان حافل بالفن وصانعي السينما خصوصا. نتحدث عن حشود من الفنانين المثقلين بأعباء السينما وهمومها وقلقها، ونشاهد هنا سينما العالم كله، عبر تظاهرات خاصة أو عامة، وعبر أفلام جديدة لم يتم عرضها من قبل، أو أفلام عريقة نالت الشهرة والجوائز. مهرجان يتطور وينمو ويجدد نفسه في كل دورة من دوراته، ويستقطب المزيد من الفعاليات والأنشطة، ويقيم المزيد من العلاقات مع المؤسسات الدولية المعنية بفن السينما. ونتحدث عن جوائز لعناصر العمل السينمائي، فاز البعض، لكن من لم يفوزوا بالجوائز فازوا بفرص التعرف على تجارب جديدة.



نتحدث عن صرح سينمائي يقول عنه رئيس المهرجان عبد الحميد جمعة إنه بات “منبرا للتفاعل بين الشرق والغرب، فتح ذراعيه أمام بلدان من آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، مكرسا مساحة هامة لإبداعاتها السينمائية، ليحصد اليوم ثمار هذا الانفتاح على العالم من حولنا، فنرى أعمالا من دول جديدة تنافس تلك العريقة بإنتاجاتها وتاريخها السينمائي”.







وفي الإطار نفسه يؤكد مسعود أمر الله المدير الفني للمهرجان أن “الاكتشاف.. هو عنوان الدورة السابعة للمهرجان”، وأن هذه الدورة تبدو “أكثر تناسقا وتناغما مع الرؤية التي رسمها طوال السنوات الفائتة، ليصبح “البيت” الآمن لصانعي السينما العربية على الأخص، وأن يكون المنطلق الأساسي لهم في منظومة واضحة تتخذ من الجسر الثقافي بعدا ضمنيا لها”.


تنوع الأفلام وصانعيها


في هذه المتابعة نتوقف أمام أبرز التظاهرات التي شهدها المهرجان، ونرى أهم فعالياته وأنشطته، من عروض وندوات فكرية، ونعرض أهم ما جرى في هذا المهرجان. ونتوقف ابتداء عند هذا العدد الهائل من الأفلام (157 فيلما) توزعت على “أمهار” عدة، منها المهر الإماراتي إلى المهر العربي والمهر الآسيوي- الأفريقي. وفي كل مهر نجد أقساما عدة أيضا، حيث الأفلام الوثائقية، والأفلام الروائية الطويلة والقصيرة، حتى أن المتابع يحار “أين يذهب”، وأي فيلم سيشاهد ما بين الساعة الثالثة من بعد الظهر حتى الحادية عشرة أو الثانية عشرة ليلا. ولكن إدارة المهرجان التي تتوقع مثل هذه الحيرة، وضعت بين يدي المتفرج خيارات مختلفة، فثمة إمكانية لمن فاتته مشاهدة فيلم ما على الشاشة الكبيرة، مشاهدته على الفيديو، حيث تتوفر الأجهزة وتقدم خدمة سهلة لمن يريد، خصوصا أن بعض الأفلام كانت تنفد بطاقات حضوره في وقت مبكر.


نتوقف أيضا أمام الحضور الكبير لعدد من المشتغلين بالسينما، ممثلين ومخرجين ومنتجين وفنيين، فتجد اللقاءات تتم في مواقع المهرجان الموزعة على غير مكان، من مدينة جميرا وامتداداتها وتفرعاتها، إلى مول الإمارات بصالاته الاثنتي عشرة، ما يجعل التنقل يتطلب استخدام وسائل النقل التي يوفرها المهرجان، مرة في “الميكرو باص” ومرة في القوارب داخل مدينة جميرا. لقاءات بين هؤلاء العاملين في صناعة السينما في ما بينهم، أو لقاءاتهم مع الصحافة ووسائل الإعلام، ومع الجمهور كذلك.


غزة ولبنان


نمضي إلى الأفلام، ونشاهد ما أمكننا منها، نتوزع بين مجموعة من الأفلام العربية القادمة من عالمنا العربي، من مجتمعاتنا وهمومنا، فنشاهد ضمن تظاهرة المهر العربي عددا من الأفلام الموزعة على أقسام عدة، وموضوعات وقضايا واتجاهات وتيارات يصعب، بل يستحيل رصدها جميعا. فنقف باختصار عند أبرز ما شاهدنا من أفلام عربية.


تبرز في تظاهرة الأفلام الوثائقية مجموعة من الأفلام، خصوصا الأفلام التي أنتجها فلسطينيون ولبنانيون، ترصد الحرب والموت والخراب الذي تحدثه الدولة العبرية في فلسطين ولبنان، في لبنان 2006 وغزة 2008، وتقدم شهادات من عايشوا هذه الكوارث التي تعري الوجه الصهيوني الذي يدعي الديمقراطية والدفاع عن النفس، رغم كل ما يقترفه من جرائم، وما يتلقاه من دعم أميركي وأوروبي لارتكاباته. يبدو هذا في أفلام مهمة أبرزها “قصيدة غزة” للفلسطيني/ الفرنسي سمير عبد الله، و”أبي من حيفا” للفلسطيني/ الدانماركي عمر شرقاوي، و”ملاكي” للمخرج اللبناني خليل زعرور، و”بيروت ع الموس” للمخرجة زينة صفير، و”رصاصة طايشة” للمخرج اللبناني جورج هاشم، و”بيت شَعر” للمخرجة المصرية إيمان كاملن وغيرها. كما تحضر بقوة السينما العراقية، في أفلام وثائقية وروائية طويلة وقصيرة.


ومن أبرز الأفلام العربية كذلك فيلم “ملامح فلسطينية ضائعة” لللمخرجة الفلسطينية - الفرنسية نورما مرقص، وفيلم “براق” للمغربي محمد مفتكر، و”أزهار كركوك” من إخراج فاريبورز كامكاري، و “أر رياض” للسعودي طلال عايل، وفيلم “كناري” عن نص لأمين صالح للمخرج البحريني محمد بو علي.






في فيلم “ملامح فلسطينية ضائعة” تحاول المخرجة الفلسطينية - الفرنسية نورما مرقص نسج حكايتها مع الاحتلال الصهيوني الذي يمنعها من دخول فلسطين رغم أنها تحمل جوازي سفر، الفرنسي والفلسطيني، ورغم حاجتها لزيارة والدتها المريضة، فتمضي وقتا طويلا تتحدث على الهاتف وتتلقى أعذارا سخيفة ووعودا كاذبة، قبل أن تتحقق أمنيتها وتصدر الموافقة بدخولها فلسطين. فالمخرجة تروي حكايات الناس ومعاناتهم تحت الاحتلال، كما تعمل على إبراز الوجه الحيوي والجميل لفلسطين، الوجه الذي لا علاقة له بالتقارير التي تبرز جوانب العنف والمجازر والدماء. وهي تروي ذلك كله لصديقها ستيفان الذي يمازحها قائلاً: “لكنهم لا يتحدثون عن مهرجانات الجعة”، ويعرض الفيلم قضية استمرار الحياة رغم كل شيء، وذلك عبر حوارات ذكية وقوية.


أما فيلم “براق” للمغربي محمد مفتكر فيعالج قضايا نفسية، حيث تدور أحداثه داخل مستشفى للأمراض النفسية، إذ يعهد رئيس المستشفى لزينب مهمة معالجة فتاة متوترة تعتقد أنها حامل. لكن الأوراق تختلط على زينب أمام لغز تلك الشابة فتفقد سريعاً سيطرتها على الوضع.


وينمو الفيلم متقدماً على خطوط الحياة الداخلية على يدي مخرج يتمتع بمستوى معالجة بصرية وصورية متقنة إضافة الى حسن استخدامه للمؤثرات الصوتية والموسيقية الى ابعد حد.


أما فيلم “أزهار كركوك” فيروي حكاية الحبيبين “نجلا” و”شيركو” اللذين يعاكسهما الحظ ويعلمان يقيناً أن زواجهما مستحيل، وليس بوسعهما الزواج.


نجلا تنحدر من عائلة عربية مرموقة، بينما شيركو كردي، وتدور أحداث الفيلم في كردستان العراقية في الثمانينات، وعلاقة الحب غير كافية لمنع الشاب من العودة إلى كركوك لمواجهة الحرب. أما نجلاء فتتحدى إرادة عائلتها والعادات البالية والمفاهيم الذكورية وتتتبع خطى حبيبها وتمر عبر كل مراحل الفظاعة، من سجن وتعذيب وانتهاكات جنسية ومقابر جماعية. قصة الحب هذه أشبه بفسيفساء مفعمة بالشاعرية والألم تجسد الظروف الصعبة التي تعاني منها مدينة كركوك التي تتمتع بأكبر عدد من آبار النفط العراقية ما جعلها موضع نزاع دائم بين العرب والأكراد.


وقد أضفت مشاركة الممثل والمخرج الفلسطيني محمد بكري على العمل غنى وساعدت على تطوير فريق العمل بأسره حسب تعبير الممثل محمد زواوي الذي لعب دور الشرير مختار، الضابط العربي الراغب في الزواج من نجلاء.



السينما الاجتماعية


ومن الأفلام العربية الطويلة، يبرز فيلمان أثارا الانتباه بصورة قوية، فيلم “مدن ترانزيت” للمخرج الأردني محمد الحشكي، وتمثيل الفنانة صبا مبارك، التي حملت العبء الأساس في الفيلم، حيث قامت بدور امرأة أردنية تزوجت وسافرت لأميركا، لكنها طلقت بعد 14 عاما وعادت للعيش في الأردن، وهنا تحدث تعرية المجتمع الأردني وتحولاته الدراماتيكية نحو الخراب والتغييرات السلبية.


وفي فيلم عربي طويل آخر، يقدم المخرج السوري عبد الحميد عبد اللطيف تجربة سينمائية تمثل امتدادا لأعماله المعروفة، في فيلم حمل عنوان “مطر أيلول”، حيث نشاهد حياة أسرة من أب وستة أبناء فقدوا الأم، والجميع هنا عشاق، فالأب (أيمن زيدان) يعشق الشغالة (سمر سامي) ويقيمان علاقة على درجة عالية من الرومانسية والشفافية، وكذلك يفعل الابن الأصغر، فيما يواجه الأبناء الأربعة الأكبر مشكلة في اللقاء مع عشيقاتهم الأخوات الأربع اللواتي يعانين من الجو المحافظ.


“ميكروفون” وموسيقى


ونتوقف عند فيلم واحد أثار ضجيجا في مهرجان دبي هذا، ومن قبلها أثار ضجة مهرجان القاهرة التي أوصلته إلى الجائزة الأولى، وكذلك مهرجان قرطاج السينمائي الذي منح هذا الفيلم أهم جوائزه، إنه فيلم “ميكروفون” لمؤلفه ومخرجه أحمد عبد الله، الذي يقدم تجارب موسيقية جادة في إطار درامي مشغول جيدا.


تدور أحداث الفيلم في قالب غنائي اجتماعي, حيث يستعرض مخرج الفيلم ومؤلفه أحمد عبدالله الفرق الاسكندرية الغنائية, وبعض المواهب السكندرية الحقيقية في قالب درامي يجمعهم, حيث تعتمد القصة على يوميات خالد الذي يعود إلى الاسكندرية بعد غياب أعوام قضاها في الولايات المتحدة, ويتأمل كيف تغيرت مدينته الاسكندرية, باحثا عن حبيبته، وترميم علاقته المتصدعة بوالده، لكنه يكتشف أن عودته جاءت متأخرة، فحبيبته على وشك السفر وترك الاسكندرية، وعلاقته بوالده وصلت طريقا مسدودا. وأثناء تأمله لشوارع الاسكندرية, يلتقي بشبان وشابات منهم من يغني الهيب هوب على أرصفة الشوارع، ومنهم من يعزف موسيقى الروك فوق أسطح العمارات القديمة, في حين يرسم آخرون لوحات الجرافيتي على الجدران. وتختلط تفاصيل حياة خالد الخاصة بما يدور حوله من حوادث، فينخرط في هذا العالم الجديد ليروي قصصا حقيقية لجيل ناشئ من الفنانين يعيشون على هامش المشهد الإبداعي. ومن الجدير بالذكر ان فيلم ميكروفون مبني على قصص حقيقيه من الشباب السكندري وحتى الادوار الدرامية التي يؤديها الممثلون كتبت على أساس قصص حقيقية للممثلين انفسهم.


فيلم “ميكروفون” من بطولة مجموعة من النجوم في مقدمتهم خالد أبو النجا، مع ظهور خاص للنجمة منة شلبي. كما يشارك فيه أربع فرق موسيقية من الأسكندرية بشخصياتهم الحقيقية هي: مسار إجباري, واي كرو, ماسكارا وصوت في الزحمة.


السينما في كينيا

أخيرا، وفي إطار المهرجان، كان لنا لقاء مع السينما الكينية من خلال بيتر مُوتي: رئيس هيئة الأفلام الكينية، التابعة لوزارة الثقافة والإعلام في كينيا، الذي حدثنا عن تجربة السينما في كينيا، منذ انطلاقها مطلع الستينات (1963)، والمراحل التي مرت بها، والقضايا التي تركز عليها.


بيتر موتي قال إن السينما الكينية بدأت منذ سنوات قليلة تأخذ في التطور، وتتجه نحو التحديث، فهي تعاني بصورة أساسية من ندرة الكتاب وغياب التسهيلات الحكومية، وصعوبة البيئة والطبيعة التي يمكن أن تعمل فيها. ولكنها منذ سنوات تسعى للبحث عن جهات عالمية تتعاون معها، وهو ما تحاول هيئة الأفلام الكينية أن تفعله في إقامة العلاقة مع مهرجان دبي السينمائي من اتفاقيات للتعاون يجري عقدها، وكذلك الأمر للتعاون مع مهرجان أبوظبي، وبعض المؤسسات السينمائية الأوروبية والأميركية.


وبخصوص قضايا السينما في كينيا، فهي كما يقول موتي تتركز في هموم الحياة اليومية، والعلاقات الإنسانية، بما فيها علاقات الحب بين البشر، وكذلك الأفلام التي تعالج قضية الاستقلال عن الاستعمار، وهموم القبائل بصورة عامة. وفي ما يتعلق بمشكلات السينما في كينيا يقول موتي إن أهمها يتمثل في مشكلة ضعف التوزيع والتسويق.


وعن مدى التواصل مع الثقافة العربية عموما، والأفلام العربية خصوصا، يقول موتي إن هناك حضورا للثقافة العربية، وللعرب والمسلمين في كينيا، وهم يقدمون نماذج من ثقافتهم وحضارتهم وفنونهم المختلفة، ومن بينها فن السينما العربية.


ويتحدث موتي عن فيلم وحيد من كينيا يشارك في مهرجان دبي السينمائي، فيلم بعنوان “بومزي” يعالج قضية الفتيات المتشردات، لكنه يلتفت أخيرا إلى وجود ما يقارب أربعين ألف كيني في دولة الإمارات، وأنه فوجئ بوجود فرقة موسيقية كينية في أحد فنادق دبي، وما يعنيه ذلك من تلاقي الفنون والثقافات في هذا البلد.


في احتفال رسمي أقيم أثناء فعاليات مهرجان دبي السينمائي في مدينة جميرا بدبي، قلد السفير الاسباني لدى الدولة “وسام الاستحقاق الاسباني المدني برتبة ضابط” للسينمائي الإماراتي مسعود أمر الله آل علي المدير الفني للمهرجان، تقديرا لجهوده في دعم الفن والسينما في الإمارات ولعمله على تعزيز العلاقات السينمائية مع اسبانيا.


وقال السفير الاسباني غونزالو دي بونيتو في كلمته بالمناسبة: “يسعدني ويشرفني ان أمنح هذا الوسام لمسعود امر الله العلي تقديرا للعمل الذي يقوم به منذ فترة طويلة بالتنسيق مع المهرجانات الاسبانية ودعم المواهب الشابة الإماراتية في أوروبا. وقد اقترحت حكومتنا هذا التوسيم جوابا.”


يشار إلى أن هذا الوسام يمنح من قبل ملك اسبانيا خوان كارلوس منذ العام 1926 ليكافئ شخصية اسبانية أو أجنبية لها مساهمات في المجالات السياسية او الاقتصادية او الثقافية او الإنسانية.