فــــان جــوخ

مقال حبيب الصايغ

* دار الخليـــج







من يكتب النعي المقبل؟

بالتأكيد، رجل آخر .

رجل لم يدخل في هذا الأسبوع الضيق بعد، فلم يعرف نفسه، ولم يعانق عمره المقبل .

هكذا “أتلخبط” سريعاً ويتلخبط الزمن في كينونتي الصغيرة، كما في حركة الأفلاك، كما في التقاويم المعلقة في الزوايا بخيوط العنكبوت، كما في شجر الحزن، كما في سراب استدرج جدي إلى غواياته، كما في جنون حوريات البحر، كما في تراب العيون العسلية المائلة إلى إخضرار مشاغب، كما في انطفاءات نيازك فقدت ذاكرتها . كما في حليب الأمهات الثكالى، كما في لهاث العمل اليومي، كما في الأراجيح، كما في ثريات الكنائس، كما في زجاج الروح، كما في ملامح قراصنة المحو، كما في صورة البحر المتدارك، كما في كستناء المدن المزدحمة، كما في قصة شعر المساء، كما في انتباهات عيون الطفولة، كما في شوق الأسئلة الكبرى .

في هذا الأسبوع الضيق، بين شرفتين زمنتين، يتسع الشعر يا بلادي، وتبني للحب قصور وسماوات . في هذا الأسبوع تخيم على الدنيا أسراب هائلة من عصافير اللقاء، وتبدأ في تأسيس جديد للجذور والأغصان .

في هذا الأسبوع تزدحم قصائد الشعر على أرصفة الشوارع، وأبواب الحدائق، ومواعيد العشاق، وأقسام الحوادث في الصحف والمستشفيات . في هذا الأسبوع تزدحم قصائد الشعر حتى في ثلاجات الموتى وصفحات الوفيات .

وفي هذا الأسبوع الضيق، الآخذ في الاتساع شيئاً فشيئاً، يواجهني وجهك يا بلادي وكأنك حكاية المطر . يأخذني وجهك إلى حيث الطمأنينة وراحة البال، يأخذني بعيداً . بعيداً يأخذني، ليعيدني إلى نفسي ويفتح لي طريق الأسرار .

ولهذا الأسبوع الضيق أن يتسع على هواه، لكي ندخل معه، فيه، إلى درجات الوجود .

فجأة، هكذا، بالرجاء الخالص كالبذور، نكتشف الكون من جديد، بين شرفتين تطلان على الزمن من علٍ، ونقود خطواتنا الملكية إلى بيوتنا القصية، المعلقة في رؤوسنا منذ ألف حول .

وهل الحياة إلا لذة التجربة والاكتشاف؟

إنني اكتب عمري ليزين لوحة أيامك يا بلادي .

فهل يكفي هذا أم عليّ أن أقطع أذني اثباتاً لحبي وإعجابي وانتمائي؟