نكمل حديثا بدأناه أمس عن التقاعد. فإذا كنا ضد وجهات النظر التي تطالب بتقاعد المرأة المبكر، بعد خمسة عشر أو عشرين عاما، فإننا نعارض أكثر التقاعد المبكر للرجال في دولة الإمارات، التي ما زالت في حاجة للاستفادة من خبرات أبنائها والاستثمار فيها. وتأتي هذه المعارضة في الوقت الذي بدأنا نشهد فيه زيادة أعداد الشباب الذين يتقدمون بطلبات التقاعد في مختلف المؤسسات الاتحادية والمحلية، رغم أن عددا منهم لم تتجاوز أعمارهم الأربعين عاما ولم يصل عدد سنوات عملهم أكثر من عشرين عاما، متسببين في خسائر بشرية ومادية للدولة التي يضطرها تقاعدهم، للاستمرار في الاعتماد على الخبرات الوافدة والأجنبية، وستضطر لصرف المزيد من رواتب الموظفين المستمرين في وظائفهم أو أولئك المتقاعدين، ناهيك عن الخسارة الأكبر التي تتمثل في عدم الاستفادة من خبرات المتقاعدين مبكرا، في الوقت التي تكون خبراتهم قد وصلت مرحلة النضج، وفي الوقت الذي يفترض استثمار خبراتهم فيه بدلا من تصديرها خارج المؤسسات بعد التقاعد.
مجلس الوزراء في الإمارات في عام ‬2010، وافق على التقاعد الاختياري لمن أمضى ثلاثين عاما في الوزارات الاتحادية، لكن المؤسف أن كثيرا من أبناء الدولة أصبحوا يبحثون عن وسائل تعينهم على التقاعد المبكر، وقبل انقضاء ثلاثين عاما على ممارستهم العمل، ومن أهم تلك الوسائل التقارير الطبية التي يحاولون بها إثبات عجزهم الصحي وعدم قدرتهم على المضي قدما في العمل، والأدهى والأمر أن تلك الطلبات تأتي من العاملين في وظائف لها أهميتها الاستراتيجية، كالتربية والتعليم والوظائف العسكرية، تاركين وراءهم مؤسسات ما زالت في حاجة لعطاء كل واحد منهم، ولخبراتهم وتواجدهم، ليقل الاعتماد التدريجي على الكوادر الوافدة والأجنبية، ولكي لا يتسع الخرق على الراقع في قضية خلل التركيبة السكانية.
لذا فإن المأمول أن تواجه الجهات المعنية في الدولة التقاعد المبكر والرغبة فيه، بكثير من الصرامة فلا تقبل أي تقارير طبية غير جادة، ولا تقبل رغبات موظفيها بالتقاعد لأسباب عادية يمكن تجاوزها وتخطيها من خلال تغيير طبيعة عمل الموظف أو نقله إلى قسم أو إدارة أخرى، لتجديد همته ونشاطه. التقاعد أو الموافقة على إنهاء خدمات موظف مواطن، حتى لو كان ذلك بمحض إرادته، خسارة للدولة ومؤسساتها، ويربي الأفراد على التخلي عن مسؤولياتهم مبكرا، في الوقت الذي لا بد أن يتحملوا فيه الكثير من المسؤوليات حتى يتقدم بهم العمر، أسوة بالأجانب الذين يقدسون العمل ويفنون أعمارهم فيه حتى بلوغ سن التقاعد الذي يعتبره الواحد وقت استراحة المحارب، ويكون له اختيار الاستمتاع بحياته أو العمل مجددا مستشارا.. هذا هو المأمول لنكون بالفعل أحسنا الاستثمار في الإنسان، من أجله ومن أجل الوطن.




ميساء راشد غدير