حال التوطـين في الإمـارات








لا توجد دولة في العالم إلا ولديها تشريعات وقوانين تنظم العمل فيها، وتبني من خلالها الأرضية التي تعطى على أساسها الأولوية لمواطنيها في الحصول على الوظائف. ودول الخليج ليست خارج هذه المعادلة، حيث تسعى جميعها من خلال البرامج التي تتبعها إلى توفير فرص العمل لمواطنيها، لاسيما في مجالات العمل في القطاع الخاص الذي تسيطر عليه العمالة الوافدة بشكل كبير جداً.
وصورتنا في دولة الإمارات لا تختلف عن حال ما يحدث في الدول الخليجية بشكل خاص، فنحن سعينا لوضع القوانين، وأنشأنا جهات تتولى مسألة الاهتمام بالتوطين، إلا أننا ما زلنا متراجعين في ما حققناه من أهداف في مجال التوطين، حيث مازال نحو نصف موظفين القطاع العام هم من الوافدين، وما يزيد عن ‬99 بالمائة من موظفي القطاع الخاص هم من غير المواطنين، هذه الأرقام تفرض على حكومتنا الحاجة إلى ضرورة الاهتمام بشكل أوسع بالتوطين، وأن يكون على سلم أولوياتها الإستراتيجية، فما تم تحقيقه إلى الآن لم يساعد بشكل واضح على تحقيق هدف التوطين في القطاعين العام والخاص.
ومع التراجع في تحقيق التوطين تزايدت لدينا مشكلة التركيبة السكانية والتي أصبحت لا تصب في صالح أمن الدولة، بل غدت مسألة تؤرق الجميع لما لها من تداعيات أمنية واجتماعية وسياسية على الدولة.
لقد كانت الدعوة التي أطلقها سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة الأسبوع الماضي بضرورة الاهتمام بالتوطين في القطاع الحكومي هي دعوة غاية في الأهمية، وتصب في خانة إدراك القيادة السياسية لمدى أهمية هذه المسألة وحرصها على ضرورة مواجهتها. لقد أصاب سموه عندما أشار إلى القطاع الحكومي كي يلعب دوره في التوطين، فنحن إذا ما أردنا أن نقول للقطاع الخاص بأن عليه أن يهتم بالتوطين، فإنه من المهم بمكان أن يكون القطاع الحكومي هو النموذج الذي يجب أن يحتذى به.
فلا يعقل أن تكون هناك جهات حكومية رئيسية في الدولة تقل فيها نسبة التوطين عن ‬36 بالمائة، والأغرب من ذلك أنه لا توجد لدينا مؤسسة حكومية واحدة بها مائة بالمائة نسبة توطين! وإن كانت نسبة المائة بالمائة هي نسبة مثالية ولا يمكن أن تتحقق على أرض الواقع إلا أننا نجد أيضاً أن معظم جهاتنا الحكومية لا تصل فيها نسبة التوطين إلى نسبة التسعين بالمائة.
فإذا ما أردنا أن ننجح في مساعينا للتوطين، فعلينا أولاً وقبل كل الشيء الاهتمام بالتوطين على مستوى القطاع الحكومي، والعمل على وضع الخطط الإستراتيجية لتحقيق التوطين في الوزارات الحكومية. فالتوطين يجب أن يكون جزءاً أساسياً من عناصر تخطيطنا الإستراتيجي في الوزارات والدوائر الحكومية. هذه هي الخطوة الأولى التي يجب أن ننطلق بها نحو التوطين، فعلى كل وزارة أن تضع التوطين نصب عينيها من خلال إنشاء وحدات أو إدارات داخلية تتولى وضع خطط التوطين ومتابعتها، فالالتزام بالتوطين لا يتطلب فقط الكلام عن أهميته بل يشمل بشكل أساسي العمل على تحقيقه على أرض الواقع.
كما أنه من المفترض أن تكون هناك جهة رسمية تتابع عمل الوزارات ومدى التزامها بتنفيذ دعوة نائب رئيس مجلس الوزراء، حيث أنه من دون متابعة يظل الاهتمام بالتوطين خجولاً ولا يحصل على الأولوية الكبرى من قبل تلك الجهات. وعلى الجهات الرسمية العليا العمل على وضع نسبة معينة يجب على الوزارات أن تعمل على تحقيقها خلال الخمس سنوات القادمة، بحيث مثلاً يتم وضع نسبة الثمانين بالمائة كحد أدنى لا بد أن يتم تحقيقه في جميع وزارات وهيئات الدولة الاتحادية، ويجب محاسبة من لا يلتزم بتحقيق تلك النسبة.
وبعد تحقيق الهدف المرجو على مستوى الوزارات والهيئات الاتحادية وربما الدوائر المحلية أيضاً، يتم الانتقال إلى المؤسسات الشبه حكومية، والتي تمتلك فيها حكومة الدولة الاتحادية وحكومات الإمارات المحلية نسبة ‬51 بالمائة أو أكثر، والعمل على إلزامها تحقيق التوطين لديها وبنسبة معينة، قد لا يفترض أن تصل تلك النسبة إلى النسبة المرجوة في الوزارات الاتحادية والدوائر المحلية، ولكن إذا استطعنا أن نوصلها إلى نسبة الـخمسين بالمائة خلال فترة زمنية محددة فستكون هي نسبة إيجابية. وهذه العملية ليست صعبة باعتبار أن الحكومة الاتحادية أو المحلية هي صاحبة الكلمة العليا في مثل تلك الجهات. وعندما يتحقق ذلك الهدف نبدأ بالذهاب إلى القطاع الخاص ونطالبه برفع سقف التوطين لديه بحيث نحقق نسبة الثلاثين بالمائةً من التوطين مثلاً خلال فترة زمنية محددة.
إن أهمية التوطين لا تتوقف عند كونها إحدى أهم السبل لمواجهة خلل التركيبة السكانية، ولكنها هي أيضاً السبيل نحو النهوض بالدولة من خلال خلق كوادر وطنية قادرة على أخذ زمام التنمية، وهي أيضاً وسيلة لمواجهة البطالة، وهي أداة لتوفير الوظائف لخريجي الجامعات والمعاهد والكليات والمدارس في الدولة. التوطين مسألة هامة ويجب أن تبقى كذلك ويبقى الاهتمام بها على درجة عالية، ونأمل أن تعطى الأولوية مع دعوة سمو نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة، ولو على مستوى وزارات وهيئات الدولة الاتحادية، التي يفترض أن لا تعاني من قصور في الحصول على من يستطيع أداء الغالبية العظمى من المهام الموجودة فيها، فدولة الإمارات من شرقها إلى غربها مليئة بالكوادر والأيدي العاملة الوطنية التي تريد أن يكون لها دور في تنمية الوطن، إذا ما أعطيت الفرصة في ذلك.

البيان