مصر بالأبيض والأسود

يوسف أبو لوز

* دار الخليـج







أخذت بعض الفضائيات العربية تبث عدداً من الأغنيات والمقاطع السينمائية تعود إلى الخمسينات والستينات من القرن الماضي، تظهر خلالها القاهرة بالأبيض والأسود عندما كان الشارع المصري آنذاك يعج بحياة فنية وإبداعية كلاسيكية، ويبدو الناس خلال تلك الحياة في أقصى درجات بهائهم الإنساني وأريحيتهم الدافئة وسلوكهم اليومي البسيط المملوء بالخفة والجمال .

تعيدنا هذه المشاهد المأخوذة من زمن مضى إلى بائع الصحف، وموزع البريد، وبائع الحليب، وصوت شادية الخارج من قلبها وليس من فمها وهي تغني “يا حبيبتي يا مصر يا مصر . .”، وصوت عبدالمطلب الفخيم وهو يغني:

“ساكن في حي السيدة

وحبيبي ساكن في الحسين

وعشان أنول كل الرضا

يوماتي أروح له مرتين

م السيدة لسيدنا الحسين”

نعود إلى مصر وإلى اسمها العلني والعربي “أم الدنيا”، كلّما أخذنا الحنين إلى شبابنا وطفولاتنا الأولى، واكتمال رجولتنا ووجداننا الذي تشكّل وانبنى على أشواق مصرية وهوى مصري، فما من مثقف عربي يدّعي أنه كامل النمو الإبداعي إذا لم تكن مصر هي نسيج أساسي في عموده الفقري الثقافي، وإذا لم يكن قد نزل طويلاً في ضيافة نجيب محفوظ وأحمد شوقي وصلاح عبدالصبور وأمل دنقل وإلى آخر هذه الرموز المضيئة .

قلوبنا خاوية وعواطفنا جافّة إذا لم نكن قد سبحنا في أفلاك أم كلثوم وعبدالحليم حافظ ومحمد عبدالوهاب وعفاف راضي . . وإلى آخر هذه الكوكبة الماسيّة التي كانت تملأ سماوات الوطن العربي من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه بإشعاع جمالي حميمي مازلنا نتشوّق إليه حتى اليوم .

مصر زمان أو أم الدنيا زمان كانت المختبر الفني والثقافي لأي طاقة عربية تنطلق من قلب القاهرة، فمن هذا القلب كانت السياسة والثقافة والفن والأدب والنقد يأخذ صك شرعيته والاعتراف به .

مصر زمان يعني خفّة الدم والأناقة، والنكتة الذكية وسرعة البديهة، والحياة البسيطة لكن المملوءة بالقناعة والقلوب المحبة والوجوه المتوكلة على الله .

في تلك الأيام لم يكن في أم الدنيا لا بلطجية ولا حرامية ولا قطط سمان أو حيتان .

فما الذي جرى لك يا حبيبتنا يا مصر؟