حتى لا تذبل "الياسمين"

أمجد عرار

* دار الخليــج




قبل شهر ونيّف كانت تونس دولة الحزب الواحد المهيمن على كل شيء في البلاد من كل تجمّع لأكثر من واحد إلى الشهيق والزفير، تساعده في الهيمنة بعض أحزاب الكومبارس اللازمة لتمرير مشهد الدكتاتورية أمام الرعاة و”المانحين”، للنظام كل شيء وللشعب صفر . لم يكن أحد يتوقّع أو حتى يتخيّل في منامه أو قيامه أن “حزب التجمّع الدستوري الديمقراطي” الذي كانت ممارساته النقيض المطلق لكل كلمة من كلمات اسمه، حزباً موقوفاً عن العمل تمهيداً لحلّه بقرار من وزير الداخلية، بهدف “الحفاظ على المصلحة العليا للأمة وتفادي أي انتهاك للقانون، ونزولاً عند رغبة وإرادة الضحايا التونسيين أي كل الشعب” . من حزب يستضيف في ذكرى تولي ابن علي السلطة مئات المسؤولين السابقين والمنظّرين، إلى حزب أنشطته محظورة وأي تجمع او اجتماع يقوم به اعضاؤه غير مشروع، هذا مع إغلاق كل المراكز العائدة له .

ولأن مفاعيل أية ثورة لا تخمد على نحو سريع كسيجارة أو كانون للشواء في رحلة نهاية الأسبوع، فإن تونس لم تعد إلى طبيعتها، بل هي لم تخرج من تحت حظر التجوّل، لا بل لم يتوقّف بكاء أمهات على ضحايا سقطوا على درب إعادة بعث البلد من جديد، وتصفية أية شعرة من العلاقات بين فجر تونس وليلها الذي كان أشد ظلاماً من ليل الطغاة .

ليس شيئاً جديداً في ثورات الشعوب أن تتشبّث الطبقة المستبدّة بالسلطة حتى رمقها الأخير، ولا من طبيعة الاستبداد أن يسلّم المستبد بهزيمته التي تعني تجريده من أدوات القهر التي سئمته لكثرة ما استخدمها بلا إجازة، وليس من منطق الثورات أن تتلاشى قوّة كانت تمسك بكل شيء لتصبح لا شيء .

عندما تخر طبقة الاستبداد صريعة لا تنتهي مآسيها على نحو فوري، بل تصبح أخطر لأن الجثّة تتعفّن وتفتك بالحياة إن لم يجر تطهير المكان والجو منها . لذلك نشهد يقظة أبناء تونس تقف بالمرصاد لمحاولات الرموز المهزومة الدفاع عن مكتسباتهم غير المشروعة، وعدم تورّع بعضهم عن الانتقام من الشعب الذي حطّم عرش استبدادهم وجفف ثدي سرقاتهم . من هنا منبع تلاحم الانتباه والقلق على ثورة التغيير عندما تهب رياحها بلا ترتيب بروتوكولي أو التقدّم بطلب لتصريح الهبوب . فتونس ما زالت مهداً للاحتجاج الرامي لفرملة النكوص إلى الوراء، وتراب تونس ما زال يتقبّل التعازي بشهداء الثورة ويستقبل دماء جديدة . ما زال القديم يطل برأسه كي يشد شاعرية بيرم والشابي من حلم الشباب المستيقظ على الفجر الجديد إلى زاوية مظلمة في المعبد المحطّم .

شعب تونس متشبث بيديه وأسنانه بمكتسبات شبابه ودماء شهدائه، عيونه مفتوحة على آخر اتساعها حماية للديمقراطية الوليدة من بقايا رمز الأمن المتسربلين بأقنعة تحاول أن تبدو متجدّدة . ومن المؤكّد أن بناة تونس الجدد مدركون أن أخطبوط استبداد وفساد وشبكة من جذور متشابكة تتداخل فيها ثقافة المحسوبية والاتكالية والاحتكار والاستقواء بحزب السلطة والكسب غير المشروع وبلا تعب، كل ذلك الذي ترسّخ في عقود، سيحتاج تفكيكه إلى وقت وجهود، والأهم أنه يحتاج إلى التكاتف والتوحّد حتى لا تذبل بتلات ثورة الياسمين .