فيزياء سياسية
خيري منصور
* دار الخليــج
لسنا هنا بصدد البحث عن قواسم مشتركة بين فيزياء السياسة وفيزياء الكون، رغم أن لكل منهما مساحة حَرِجة، وعناصر مساعدة تخرج من عمليات التفاعل كما دخلت، فالأهم الآن هو السؤال عن دور العلماء في الحراك السياسي بدءاً من لافوازييه الفرنسي الذي قُطع رأسه وألقي في سلة القمامة، مروراً بالروسي زاخاروف الحائز أعلى الجوائز الدولية والذي كان من أبرز المعارضين للاتحاد السوفييتي قبل أن يتفكك .
وقد أثار لدي هذه التداعيات التداول الإعلامي لاسم العالم المصري د .أحمد زويل الحائز جائزة نوبل والذي تحدث في عدة منتديات ومناسبات عن علاقة العلم بالإعلام، وكانت مشاركته في نادي الصحافة العربية في دبي العام الماضي واحدة من تلك المرات التي خرج فيها د .زويل من مختبرات العلوم إلى مختبر الواقع بكل ما يعجّ به من قضايا ساخنة .
ما من اعتراض بالطبع على ما يقال الآن حول د .زويل، بحيث أصبح اسمه من الأسماء المرشحة للرئاسة في مصر في الانتخابات المقبلة، ولو كان نجيب محفوظ حياً وهو الحائز جائزة نوبل في الآداب لربما تداول الإعلام اسمه، رغم بُعد الرجل عن السياسة بمعناها الحدثي واليومي .
حتى د .البرادعي الذي حصل على جائزة نوبل مناصفة مع المؤسسة الدولية التي كان يرأسها هو أيضاً من الأسماء المتداولة الآن إعلامياً في قائمة المرشحين للرئاسة، رغم أن الرجل قال أكثر من مرة وبصراحة إن عمره ومجمل تكوينه يحولان دون قبوله لهذا المنصب، وأحياناً عندما يكون الحراك عنيفاً تقال أشياء تبدو هامشية لكنها في صلب المشهد، ويتضح ذلك تماماً بعد أن تهدأ الساحات .
إن عدة مفاهيم الآن بحاجة إلى إعادة تعريف منها مفهوم الحكمة والحكماء، والقادة والناشطون والثورة والانتفاضة والانقلاب . فقد خلط عالمنا العربي نابل هذه المفاهيم بحابلها، ولم نعد نعرف من هو الحكيم ومن هو المعلم الأول ومن هو الرمز، ففي حالات الاضطراب تضيع الحدود بين المصطلحات، ويزحف بعضها على البعض الآخر، ولا ندرك خطورة ذلك أثناء الحراك العنيف لكننا سرعان ما نكتشف حقائق الأمور بعد فوات الأوان .
الحائزون جائزة نوبل وغيرها من الجوائز العالمية لا يزعمون أن هذا التكريم يرشحهم لمناصب سياسية، لكن الناس يخلطون بين أهمية الأشخاص وصلاحياتهم لتولي مناصب خارج مداراتهم الإبداعية أو الأكاديمية .
نعرف مثلاً أن “هافل” أصبح رئيساً لبلاده وهو كاتب مسرحي، وكذلك ليوبولد سنجور الذي كان رئيساً للسنغال، وكان يمكن لبابلو نيرودا أن يرأس تشيلي في مطالع السبعينات لولا ما لحق به وبصاحبه سلفادور اللندي من خيبة كبرى .
لا اعتراض على عالم أو شاعر أو كاتب، لكن الاعتراض الجذري هو على الخلط بين نفوذ المهنة ونفوذ ما يصدر عنها من تصريحات .
وأسماء مثل د .زويل ومن قبله نجيب محفوظ وآخرين استحقوا جائزة ولم يظفروا بها لأسباب ليست إبداعية خالصة، نحترمها ونفخر بمنجزاتها، لكن علينا أن نفصل بين من يجري جراحة جسدية ناجحة ومن يجري جراحة سياسية بأدوات غير سياسية . . كي لا نخسر المهارتين .






رد مع اقتباس