لو عزيز حيّ
ماجد بوشليبي
* دار الخليــج
“إلى حضرة جناب الأجل الأمجد الأخ الأكرم المكرم”، هكذا كانت تفتتح مخاطبات الرسائل بين المتراسلين، والتي يقال عنها المكاتيب أو الكتاب أو “الخط” وهي في النهاية رسالة، وكانت تكتب بخط مميز واضح، أقرب إلى خط النسخ المضغوط، تتراكب حروف الكلمات بعضها فوق بعض، بقلم حبر أسود، حيث لا يجيد الكتابة إلا نفر قليل من أهلنا، لاشتغالهم بالحياة ومغالبة شظف العيش، وعندما تكون الرسالة من مغترب في مكان بعيد أو في مغاصات اللؤلؤ، حيث تنقل قوارب “التشالة” التي تنقل التموين إلى قوارب الغوص أخبار ورسائل البر إلى الغاصة والعكس، فتصبح لحظات البيت وأهله عيداً، ويقبل عليهم فيها المهنئون، وكما يقول الخضر في قصيدته الرقيقة “سنغباسي” حيث يقول فرحاً بخطاب المحبوب:
باني خطه وسط قرطاسي/ وانحنيت أقبّل احروفه جن لمبشر وصل راسي/ عند يعقوب أو رجع شوفه/ أو وصل موسى عقب ياسي/ وفي حضن أمه الملهوفة ارفع كتابه على راسي/ مثل تاج الملك وازفوفه .
وأحيانا يضاف إليها أي الرسالة ما يسمى ب “الندبة”، وهي عبارة عن كرة من القماش خيطت بعناية شديدة من القماش الأبيض تحتوي في العادة على “وزار مدراسي، وفانيلة أو اثنتين، وقطعتي قماش نسائي”، وعلى الرغم من بساطة الرسالة ومحتواها، فهي تواصل من عزيز لا نظير له .
وذهاب الرسائل وعودتها حكاية أخرى، لارتباطها بوسائل النقل آنذاك سواء بالبر أو البحر، لكنها مصدر وحيد للخبر وصحيفة للأحوال، لا عن المرسل فقط ولكن عن المجتمع والناس في ذاك البلد، وقد يتوافد الأحباب والأصحاب لمعرفة أحوال المرسِل والفوز بنصيب من “الندبة”، والعارف المثقف العالم هو من يكتبها، يُبحث عنه، ويتواصف عند الناس بالكاتب، ولعلهم يدعونه إلى بيوتهم ويستضاف ويكرم بالفوالة ليكتب لهم، ويذهبون إليه إن أبى كما يقول الشاعر “طناف”:
كيف تمنع حرف من الكتبه/ يوم كل الناس كتيبهّ
وقد يستغني الناس عن الكاتب ويستعيضون عنه ب “المطراش” وهو إرسال الرسالة شفوياً التي قد تكون بيتاً من الشعر صريح المعنى أو تكثر تورياته ورموزه الحرفية والرقمية، كما هو في “الدرسعي أو الريحاني”، أو كما يحدث في بعض الأحياء من قلب لحروف الكلمات، ولم يكن لدى المجتمع من وسيلة للحصول على المعلومة والخبر عدا وسيلة المكاتبة الخاصة والفردية، وتقصر الرسالة المكتوبة “بروة” لإنجاز أمر من متنفذ أو تاجر أو استقراض، ويقرن حينئذ الطلب بخاتم أو علامة تدل على توثيق المعلومة، أو تطول فتحمل المعارف والعلوم والاستفتاء حول القضايا المجتمعية، وكثيراً من العلوم الشرعية، وقد أشار الدكتور عبدالله الطابور في كتابه “رسائل الرعيل الأول” إلى كثير من هذه الأغراض والمراسلات والمتراسلين . فأدب الكتابة والمكاتبات أدب أدى دوراً كبيراً في تاريخ الأدب العربي، عندما تجاوز العرب الصور الشفاهية إلى التحرير والكتابة، سواء في الرسائل والتوقيعات أو المقامات بعد قيام الدولة واتخاذ الدواوين والكتاب، ولعل أشهر من نمت وتطورت على يديه صناعة الكتابة هو “عبد الحميد الكاتب” الأموي المتوفى في 132ه، وأصبح رائداً في البلاغة والكتابة، وله رسائل إلى أهله وإلى صناع الكتابة، ثم جبران وميّ زيادة في التواصل الأدبي العاطفي، واحتفظ لنا الأدب الشعبي بحكاية “عزيز” الذي ابتلعته الغربة ورجع خاله “أبوزيد” من دونه فبكته أخته في الأهزوجة المعروفة:
لو عزيز حيّ جتنا علومه/ مع الطير طاير ومع ذاريات الهبايب
لكن عزيز صفق البين دونه/ وعزى لمن هالوا عليه الترايب
ولو عزيز حي جان يانا كتابه/ ولا مارية المجتول غير الكتايب
وهي من الأمثال التي ترسل عن تأخر الكتاب والأخبار، ويزخر الأدب الشعبي بمراسلات ومساجلات نثرية شفوية ومكتوبة، تغيب عنها أقلام الباحثين والكتاب، وأصبح حالها حال عزيز.






رد مع اقتباس