أحلام هلامية مبعثرة على الرصيف

جمال علي يفقد النسيان في "حضارة الرماد"






يأتي ديوان “حضارة الرماد” للشاعر جمال علي، كنتاج شعري لافت، لواحد من شعراء العقد الأول من الألفية الثالثة، الذي بات يجرّ أذياله، وأثار - خلفه - الكثير من الأسئلة حول درجة حضور شعراء هذا العقد، تحديداً، ولاسيما أنهم جاؤوا كجيل ثالث بعد جيلي الثمانينيات والتسعينيات في الإمارات، من دون أن ينطلقوا من الفراغ، مكانياً، شأن السابقين عليهم، الذين نحتوا بأصابعهم على الصخر، وهنا تتجلى مأثرتهم، بغضّ النظر عن القيمة الفنية لكتابات كثيرين .

إن أية قراءة دقيقة للنصوص الثلاثة الأولى، التي تضمّها هذه المجموعة، لتدلّ مباشرة على وجود صوت أصيل، استطاع أن يخطّ مساره - إلى جانب قلة من أقرانه من أبناء هذا الجيل - ويستطيع أن يرتقي ليكون إحدى العلامات الإبداعية في مسار الشعرية الإماراتية، عموماً، متفاعلاً مع صدى روحه، مؤسّساً عليها، وإن كان سيشترك مع آخرين، سواه، في ثيمة الحزن والانكسار التي يحاول أن يواجهها بروح مختلفة، سرعان ما تتوالد، وهي تقرأ نفسها في مرايا الضوء .

منذ عنوان المجموعة “حضارة الرماد” وليس “رماد الحضارة”، يجد المتلقي نفسه أمام عالم مختلف، ورؤية مغايرة لما هو سائد، مادام أنه أمام حضارة من رماد، بعيداً عن توصيفاتها الأخرى، وهو ما يتساوق بالدرجة نفسها من ردود الفعل تجاه العالم .

يعيد الشاعر بثّ الرّوح في بعض الرموز المعروفة، محاولاً الاشتغال عليها، مرة أخرى، وذلك من خلال إعطائها أبعاداً جديدة، ضمن مختبر النص الجديد، وهو ما يدل على أن هناك رموزاً، لا يمكن أن تفتقد دلالاتها، بل إنها ممكنة التجدّد بين يدي الشاعر، أو الفنان .

ومن الرموز التي يجعلها الشاعر محوراً لثلاثة النصوص - هذه - والتي تبدو متكاملة، هي ثلاثية: الظلام - النور - البركان، وإن كان يخيّل بأن شعراء الأجيال السابقة قد استهلكوها، ضمن أنساق مختلفة، كل منها على حدة، وخلافاً لتناولها المنتظم هنا، إلا أن الشاعر لا يتعكز على مثل هذه الرموز، بل ليمنحها أبعاداً جديدة، فالليل يصبح في النص أكثر حلكة، ويبقى النور ذلك المطهر الذي قد يظهر ذات لحظة بركانية، ليعيد تشكيل العالم وفق إرادته .

النصوص الثلاثة التي تم اختيارها هي: “عندما نسيت النسيان”، “عاد الليل ثانية” و”أعبر أوطاناً بحثاً عن شمس”، وقد جاءت متتالية في بداية المجموعة، ويبدو ترتيبها بهذا الشكل، لم يكن مصادفة، لأنها تشكل ثلاثية، تكاد تكون أجزاء من ملحمة واحدة، هي ملحمة الخلق، التي تتناول مفردات الموت والحياة، إلى جانب بعض مفردات الطبيعة، كي تشكل رؤية خاصة، ذات علاقة بالمكان والزمان، بل وهي في المحصلة رؤية الشاعر الحداثي للعالم، ولما حوله .

يعنون الشاعر نصه الأول ب “عندما نسيت النسيان” وبالرغم من أن هذا العنوان يشي لأول مرة بأنه عبارة عن تلاعب بالألفاظ، إلا أن وضع الأصبع على مواطن التبئير فيه، تحت المجهر النقدي، يكشف عن أنه ليس تلاعباً عبثياً، وإنما هو ذو دلالات واضحة تتراوح بين ما هو قريب منها، وما هو بعيد في آن واحد، ولعلّ القريب منها يتعلق بالنسيان كصفة إنسانية، يتم تجاوزها هنا، من خلال التذكر غير المذكور، أما البعيد فيتجلى في خروج هذه الصفة من محورها الشخصي، إلى ما هو عام، ليتجسد مثل ذلك الحضور على نحو واسع، كموقف أخلاقي تجاه ما يدور من حول الشاعر:

شتات روحك المبعثرة

تبتلعها قناديل البحر

فتتبخر القناديل

وتصبح ضباباً لزجاً


إذا كان “نسيان النسيان” في ضوء ما أشير إليه من المعنيين المذكورين، يتطلب حضور الشاعر في لحظته، إلا أن المقطع الذي يستهل به قصيدته، يبدو مختلفاً فهو ينمّ عن لحظة تشظّ رهيب، مادامت الروح تعاني من الشّتات والتبعثر معاً، بل إن قناديل البحر لتبتلعها، كما أن هذه القناديل نفسها، تتبخر في ما بعد، وتصبح ضباباً لزجاً .

أمام مثل هذه الصورة المركبة، يمكن تتبع أطوار حالة المخاطب وهو يتعرض للتشتت، والبعثرة، والتبخر، والعودة إلى اللزوجة الضبابية، إنها دورة متكاملة - في المفهوم العلمي - لحالة تتبدل، ولا تستقر على حال:

الليل يغرق بعيداً

العتمة تهرب

كظل قطار

. . . . . . .

تاركاً خلفه

ما تبقى من رماد الندم .


إن التمحيص والتدقيق في قراءة هذه اللوحة التي يبرع الشاعر في تقديمها، تكشف عن مفردات غارقة في انكسارها، حتى وإن كان الليل يهرب، وأن هناك قطاراً لا تبدو إلا ظلاله، من دون أن يظهر هو، بالإضافة إلى الانزلاق - الأزقة الضيقة - المتعرجة - تصدعات - الجدران - بلامبالاة - رماد الندم .

إن هذه العينة من المفردات، تكاد تصلح لأن يتم سحبها على اللغة الغارقة في سوداويتها لدى هذا الشاعر، سواء أكان ذلك في هذا النص، أو سواه:

ومن أحلام هلامية

مندلقة على الرصيف

لا تخرج الصور المتتالية في النص عن الجو الجنائزي الذي تطفح رائحته بإطراد، أثناء مواصلة عملية القراءة، إلى الدرجة التي ترتفع فيها نبرة الشجى بأعلى، وهل أكثر من أن تكون الأحلام هلامية، بل ومن أن تندلق على الرصيف، من دون أن تترجم تحققها؟:

لم أتذكر بأنني لم أعد أتذكر

حين نسيت النسيان


ثمة صورة موغلة في الفجاءة هنا، حيث الشاعر “لا يتذكر بأنه لم يعد يتذكر” حين نسي النسيان” وذلك لأن عدم التذكر هو النسيان نفسه، النسيان الذي يصر الشاعر على أنه نسيه، إلا أنه لم يعد يتذكر، وكأنه ينسى النسيان .

إن الأطوار التي أشير إليها من مرحلة تعرّض المخاطب إلى التشتت والبعثرة، ومن ثم التبخر، والتضبب اللزج، بات ينشىء ذاكرة تنسى النسيان، ولكنها لا تعي نفسها، وهي حالة هيولية تكاد تقارب حالة السديم، أو الهواء، التي تنوس بين التذكر والنسيان في آن واحد:

حياتي كذلك لم تعد تركع للأوهام

وعند كل فجر

لم أعد أرى سوى الغروب


هنا، يسجل الشاعر الكثير من المقاربات من الشخصية التي يسلط عليها الضوء، فهي قد خرجت على قاعدة الانسياق إلى الوهم التي تبدو في - نظره - حالة عامة، إلا أن انقلاب الموازين أمام عينيه، يجعل المتلقي يوقن أنه بحق أمام حالة غير عادية البتة، مادام الفجر يلتبس لديه بالغروب، وهو ما يجعله خارجاً عن الرؤية العادية التي تميز بين الفجر والغروب، وترى تضاداً في حالة كل منهما، وإن كان الغروب يؤول وفق دورة الكون والطبيعة إلى الفجر . إلا أن الفجر يبدو هنا الغروب نفسه:

وكنت كلما عبرت الشارع

المزدحم بالفراغ

قذفني شبح مخيف

بقارورة فارغة


ليس غريباً، إزاء معادلة يتساوى فيها الغروب بالفجر، والتذكر بالنسيان، والتشتت بالتبخر، وغير ذلك، كأن يكون الشارع الذي يرسمه لنا الشاعر مزدحماً بالفراغ، وليس بالمارة، وأن الصورة - السوريالية - المدهشة التي سيتفاجأ بها المتلقي، وهي أن شبحاً يرمي الناص بقارورة فارغة، إلا أنه راح يحفظ فيها ما تبقى له من أيام:

جمجمتي الأخرى ستكون أيضاً

زجاجية لكن أنيقة

شفافة

أرى عبرها

حقيقتك

أيها اللاوجود

المتسلط على المكان! .


ثمة استرسال في السريلة - هنا - إذ إننا أمام جمجمة إضافية لهذا الكائن، الذي لا يفتأ يحدثنا عن عجائب أطواره، وحالاته، بل والأكثر دهشة هو أن هذه الجمجمة زجاجية، أنيقة، شفافة، يرى عبرها حقيقة اللاوجود، وهو يهيمن على المكان .

إن ما يقوم به الشاعر من تهشيم، وتشويه للجسد، والتقاط صور مختلفة له من زوايا متباينة، ليس ناجماً عن مجرد ولع بما هو غرائبي، بل هو نتاج رؤية متكاملة لما حوله، الأمر الذي يمكن أن يتضح بأكثر من خلال التوغل في قراءة النصوص الأخرى، التي تحفل بها المجموعة، ولا تخرج عن مثل هذا المسار البتة .

وهاهو ذا الشاعر يعنون نصه الثاني في المجموعة ب “عاد الليل ثانية” والعنوان لن يكون غريباً لقارئه، مادام أنه قد أشار في النص الأول إلى “الليل”، وكأني به هنا، لا يريد أن يترك مشكاة ما، ترسل أي بصيص من الضوء، لأن الليل قد حط بكلكله على الأمكنة من حوله:

عاد الليل ثانية بألوانه المأسوية

ومعوله الثّقيل

يجرّ صهريجاً عظيماً


قد يخيل للمتلقي أنه أمام “قصة” يسردها الناص تباعاً، وإن كانت هذه القصة غارقة في كآبتها، وسوداويتها، فبالإضافة إلى أننا إزاء ليل بهيم، إلا أن ذاكرة السارد متكلسة، حتى وإن راح يروي لنا ذكرياته بتفاصيلها:

ذكريات هي، رميناها

عندما كنا معاً

نتسكع في المدينة

عبر شرايينها المتصلبة

بين أضرحة إسمنتية


ما يدفع الشاعر إلى أن يروي حكايته هو أن يستمر في إبداء موقفه الأخلاقي من المدينة - تحديداً - لأن - شرايينها متصلبة - وأن بيوتاتها “أضرحة إسمنتية قاسية” لا تتورع عن تمزيق الضباب، بل وأن تطعن السماء نفسها:

عاد الليل ثانية

ثم رحل عني


الليل الذي جاء، مرة أخرى، ورحل، لم ينس أن يترك ظله، رداء شاحباً يلتحف العالم كاملاً، بفواجعه، من دون أن يترك مجرد نافذة مشرعة للأمل والفرح:

عاد ليتركني وحيداً

تائهاً

كالشبح الأخرس


شيئاً فشيئاً، تتجلى رمزية الليل الذي ربطه الشاعر بالفاجعة من جهة، وجعله يلتحف الأمكنة كلها، بل ترك الشاعر وحيداً بعيداً، عما حوله، شبحاً أخرس، من جهة أخرى، من دون نفسه، التي خسرها في هذه المدينة التي قهرته .

ويأتي النص الثالث “أعبر أوطاناً بحثاً عن شمس”، ليكمل رؤية الشاعر تجاه رمزية الليل، إذ إنه يضيق بهذا الليل، وهو ما يدفعه - على ضوء العنوان - ليعبر أوطاناً بحثاً عن الشمس التي يرومها:

نقتات على ضوء القمر

نرشف من بركان لا ينضب


يبدو الشاعر أكثر انسجاماً مع الذات، وأسئلتها، فهو يعود ليعترف أن الضوء - ولو كان ضوء قمر - خافت، هو قوت الأمل، وهو يرشف من بركان لا ينضب، متفهم لمن يقدم عمره ودمه أضحيتين من أجله:

البركان، ذاك الثائر العظيم

رغم جبروت عنفوانه


ثمة هدوء كبير، يضع حداً لقلق روح الشاعر إزاء العتمة التي جرعته المتاعب، وشظته، وهذا الهدوء يتوالد في حضرة ثنائية: الضوء - البركان - وإن كان هذا البركان بدوره ثائراً عظيماً، ذا جبروت وعنفوان، يستنشق الأرواح، بيد أنه - في المقابل - لا يحرق فراشة، ولا يقتل عصفوراً .

إنه الرمز المعول عليه - من جهة - كما أنه من مفردات الطبيعة التي يرد بها على حالة التشيؤ الرهيب، إزاء غربته أمام عواصف المدينة التي تقتلعه من جذوره:

البركان

حمم ملتهبة

ألوان لم تخلق بعد

وصدى كلمات

لم ينطق بها أحد

هذا البركان، لا ينطوي على صفاته وخصائصه، فحسب، بل هو ينطوي على مكمن رموز، يعول عليه الشاعر كثيراً، ما يجعله أنيساً له، وكنزاً لم يستنفد بعد، بل هو أرواح مصهورة، وإكسير قادر على “إحياء خلايا ميتة” .

والنص لا يفتأ ينزلق إلى النثرية، أمام استبداد العاطفة بالشاعر - وهو يسترسل في كيل مدائحه للبركان - الذي هو في جوهره أرواح إنسانية:

حينها يروادني نباح

وعواء جارح

قادم من بعيد

من بعيد

أو من قريب

لكني لم أحدد الجهة

بل تحايلت على الموت


إن السطرين الأخيرين في هذا المقطع، ليبينان مدى هيمنة الدفق النثري على الحالة الشعرية، مما جعلنا أمام شبكة نصية، فيه بعض من مقومات النص المفتوح ولعل كل ذلك مسوغ، مادام أن الشاعر تحايل على الموت، ليتأكد بأنه كاذب، نازعاً جثته من أوراق الخديعة، ووثائق الوهم، وبطاقة العبودية، وأكبر معتقلات الموتى، ووثائق الوهم، وبطاقة العبودية، كي يعتبر الحياة - قبل الضوء والبركان - مجرد معتقل كبير للموتى، إلا أنه عرف كيف يشحن فيه الحياة والأمل:

وكنت أشق السديم

وأعبر أوطاناً

ليس لها من وجود

وأغني


هوذا الرماد صار دماراً، وهو يظهر من جراء ابتسامة يتمزق عنها الوجه، وهو يلفت انتباه المتلقى، من خلال إرادته الجبارة التي باتت - فجأة - تطحن الفولاذ - كي يشق السديم، ويعبر أوطاناً لا وجود لها في الأصل، إنها القوة الأسطورية التي مكنته أن يتجاوز أسر اللحظة ويكون أكثر انطلاقاً وجبروتاً وولعاً بالحياة، بل لكي يرى الآخرين يحاكونه أيضاً، مهرولين وراء الضوء:

هكذا

كانت تغرق التوابيت أمامي

في ظلام الفاجعة

بحثاً عن نتفة

شمس


وتبدو ذات الشاعر حاضرة في نصوص الديوان، على نحو مباشر، أوهي كامنة على بعد قناع شفاف، سرعان ما تظهر أمام القراءة الأولى .

ثمة وحدة موضوعية ظاهرة في نص الشاعر، وتكاد تكون إحدى العلامات الفارقة له، وهو ما ينمّ عن حضوره الواضح على امتداد مساحة النص، حيث نجد في نص “لا دهشة” مثلاً عالم البحر من سفن ومياه وصوار وأمواج، وإن كان الرماد سيظهر بشكل أو بآخر .

تهيمن على النصوص تلك النظرة السوداوية من العالم، وإن كان يخضعها لمعادلاته الشخصية بين حين وآخر يقول في نص “خلقنا لذلك” ثاني أكسيد البلاهة/ يخنق المكان/ ولا تزال قبعتي شمس الظهيرة” إذ لا ينسى ولو في حدود الصورة السوريالية خيوط الشمس وهو في أشدّ ساعات انفعاله تجاه الواقع:

هذا المكان زاخر باللاعدالة/ وآذان وقحة/ لا تنصت/ إلا للوشاية/ وأعين بلا شبكية/ كالحجر الأعمى/ بكل سخرية/ استعلاء وضيع/ نحدق/في بحر عظيم من آلام الآخرين” وهو ما يدعوه لرفض مثل ذلك الواقع .

يلاحظ القارىء أن هناك مفردات كثيرة تتكرر على نحو لافت منها “السأم - الخديعة إلخ، وهي المفردات التي لها غوايتها في النص الجديد (كما في نصوص سليم بركات)، كما أن لغة النصوص عالية، جزلة، وإن كان الشاعر في كثير من الأحيان يحاول أن يتلاعب بالمفردات، لإثارة الدهشة يقول في نص “السماء أمطرت الحقيقة”:

هنا، حيث تتدفق الحسناوات

ويغرق المكان

العاري

بسيل فاجر

من الرقة والجمال


وإن كان الشاعر قد رفع وتيرة الدهشة في السطر الأول، إلا أنه لم يحافظ عليها في ما بعد، بالإضافة إلى ورود مفردات جاهزة، لا تنسجم مع السياق العام الذي يصر على “الرقة والجمال” . . إلخ .

كما ويتجاوز التلاعب بالمفردات والعناوين التي تأتي بها يقول في نص “مناطق المنطق”: بأي منطق/ أن يكون للمنطق منطق/ مادام الحاضر لا وجود له” “يتأمل تأملاته/ المتأملة للتأمل” .

وقد تظهر ملامح للفكرة في بعدها الفلسفي أحياناً، يقول في نص “مستقبل الماضي - ذاكرة المستقبل”: لا نزال في وجود/ ينبت من الشك/ تقول: الآن/ والزمن/ أكبر خديعة/ بالمكيدة العدم” بل قد تظهر الذهنية في أحايين أخرى يقول في نص “آلة الزمن” مِنْ مِنْخَريهِ نَفَثَ الكَوْن/فَنَفَذَ كيانهُ الزائفَ/مع شُحْنَةِ الخديعة/حينها خسر كل شيء/ حتى أصبح فراغاً/ وسط اللاشيء “بل إن المصطلح العلمي قد يتسرب إلى سياق العبارة، يقول في نص مسخ الخيال” بهائم مستحدثة تسحب أذيالها/ الميتافيزيقية/ نحو صولجان موبوء” .

وبجانب الذهنية المشار إليها والتي تظهر أحياناً، تحت سطوة الولع بضرب من اللغة العالية في النص الجديد، إلا أن ثمة براعة واضحة تكمن في رسم الشاعر لصورته، بل وعلاقة الصورة بسواها، ضمن بناء النص الذي تبدو العناية به واضحة .

ومن هنا، فإن ديوان “حضارة الرماد” ليعد - وضمن مثل هذه القراءة - إحدى التجارب الأكثر نضوجاً، ضمن الخط البياني لجيل العشرية المنصرمة، وهو ينم عن أن الشاعر علي أحد المهجوسين بثنائية التفاعل والتجاوز، ضمن جيله والأجيال السابقة، في محاولة لإيجاد نبرة الصوت الخاص التي هي هم حقيق، لدى عدد من أقرانه الشعراء الإماراتيين المولعين بالحساسية الجديدة، ويبذلون قصارى جهودهم لوضع لبناتها والتأسيس لها بالشكل المطلوب .