هنا ميدان التحرير . . قلب مصر

عزمي عبدالوهاب

* دار الخليــج




في “ميدان التحرير” كان التاريخ مفتوح الصفحات، وكان العالم يفتح عينيه على اتساعهما، ليرى المصريين وهم يكتبون تاريخهم الجديد، يقاومون برد يناير/كانون الثاني بدفء الأغاني، والنكات والروح الساخرة والحناجر الغاضبة .

كانت الإرادة أقوى من قنابل الغاز والرصاص المطاطي والحيّ، ولذلك حرر شباب مصر أول جزء من بلادهم باحتلال “ميدان التحرير”، وكان العالم بأسره ينظر ويعلق، حتى أن الرئيس الأمريكي أوباما دعا شباب بلاده لأن يتعلم من شباب مصر .

من يرى ميدان التحرير طوال الفترة من 25 يناير/كانون الأول إلى 12 فبراير/شباط ،2001 يتأكد أن البشر هم الذين يصنعون التاريخ، لا الأمكنة، التي يمكن اعتبارها مجرد أيقونة في النهاية، هذه الفسيفساء التي تبدو لك من علٍ، وأنت تطل على الميدان، صنعتها أجساد الأطفال والنساء والشيوخ، وفي القلب من تلك اللوحة كان الشباب، الذين سيطلق عليهم منذ تلك اللحظة التاريخية “شباب 25 يناير” .

هؤلاء الشباب القادمون من الطبقة الوسطى التي صدع المفكرون الاستراتيجيون رؤوسنا بانهيارها، طوال سنوات مضت، لم يستلهموا ثورتهم من “الخميني” كما خرج علينا “خامئني”، المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، كانوا أقرب إلى روح ثورة 1968 الطلابية في باريس، والتي ألهمت العالم كله آنذاك، بما في ذلك مصر، حين خرجت المظاهرات في العام ذات، ترفض الأحكام الهزيلة الصادرة ضد قادة الطيران، بعد نكسة يونيو/حزيران 1967 .

ولماذا نذهب بعيداً؟ فما حدث في يناير/كانون الثاني ،2011 أجرى طلاب الجامعات المصرية عام 1972 بروفة مبكرة له، حين احتلوا الميدان مطالبين الرئيس الأسبق السادات، بأن يكون عامهم هذا هو عام الحسم في قضية الصراع العربي “الإسرائيلي”، بعد أن أخذ يماطل متعللاً تارة بعام الضباب، وأخرى بحالة اللاسلم واللاحرب .

ما حدث في عام 1972 كان موضوعاً ألهم الروائي محمود الورداني روايته الشهيرة “نوبة رجوع”، فالشوارع التي تتفرع من الميدان حاضرة بقوة، في حالات الكر والفر بين الشرطة والطلاب الملتفين حول “الكتلة الحجرية” في الميدان “ميدان التحرير” أعاد للشاعر عبدالرحمن الأبنودي صوته الخاص، بعد انقطاع طويل عن الشعر وهو يتابع ما يحدث من بيته في الإسماعيلية، التي تبعد عن القاهرة زهاء 140 كيلومتراً، تفجرت ينابيع الشعر من أعماق الأبنودي، وهو يرى ملحمة مصرية خالصة تصنعها سواعد الشباب، في مواجهة آلة القمع الجهنمية .

كتب الأبنودي قصيدة “الميدان” التي يقول فيها:

“طلع الشباب البديع قلبوا خريفها ربيع

وحققوا المعجزة

صحوا القتيل م القتل” .

ويقول: “مهما حاصرتوا الميدان عمره ما يتحاصر فكرتني يا الميدان بزمان وسحر زمان” .

قصيدة “الأبنودي” مكتوبة بدماء 365 شهيداً وآلاف الجرحى، فاحتفى بها الشباب، في ركن خاص أطلقوا عليه “إعلام الثورة”، وها هو الأبنودي - يجعلنا نستدعي صديقه الراحل الشاعر أمل دنقل من الغياب/الحضور حين أنشد وكتب في ميدان التحرير “أغنية الكعكة الحجرية” منذ نحو 38 عاماً، وحين نشرها في مجلة “سنابل” التي كان يشرف على تحريرها الشاعر محمد عفيفي مطر، صدر أمر إداري بإغلاقها، لكن القصيدة كانت قد تحولت إلى منشور سري تتلقفه الأيدي العطشى للحرية .

يكتب أمل دنقل: “دقت الساعة القاسية . كان مذياع مقهى يذيع أحاديثه البالية . عن دعاة الشغب/ وهم يستديرون/ يشتعلون على الكعكة الحجرية - حول النصب/ شمعدان غضب/ يتوهج في الليل/ والصوت يكتسح العتمة الباقية” .

الكعكة الحجرية

“الكعكة الحجرية” التي يشير إليها “دنقل” قاعدة حجرية، كان مخططاً لها أن تحمل تمثالاً للخديو إسماعيل، الذي حكم مصر 16 عاماً، وأغرق البلاد في الديوان، وتخلى مكرهاً عن عرش مصر، تحت وطأة التدخلات الأجنبية والديون التي أغرق فيها البلاد . كان الخديو إسماعيل يريد للقاهرة أن تكون قطعة من أوروبا، فشق الشوارع والميادين، وشيد الحارات على الطراز الأوروبي، ومنها ميدان التحرير الذي ظل يحمل اسم “الإسماعيلية” نسبة إليه، إلى أن غير ضباط يوليو/تموز 1952 اسمه إلى ميدان التحرير، وأقاموا على رأس أحد الشوارع التي تصب فيه “مجمع التحرير” أحد رموز بيروقراطية ومركزية السلطة، حيث تتجمع فيه كل المصالح الحكومية .

قضت ثورة شباب يناير/كانون الثاني على أحلام أحمد نظيف، المقالة حكومته تحت وطأة الغضب الثوري، في أن يبيع هذا المبنى المصمم على شكل حرف “ص” اللاتيني، إلى مستثمر، يحوله إلى فندق .

السيناريو الصيني

نحو 38 عاماً تفصلنا عن تلك اللحظة التي خلدها “أمل دنقل”، فميدان التحرير الذي تم إخلاؤه مبكراً من متظاهري العام ،1972 صار الآن مكاناً مفتوحا لشباب الثورة، يقيمون فيه احتفالاتهم، ويبعثون الرسائل لبقايا النظام القديم، في الوقت نفسه، فهم قادرون على العودة إلى الميدان في أي وقت، ولن يحدث معهم ما سجله أمل دنقل في أغنية “الكعكة الحجرية”:

“دقت الساعة الخامسة/ ظهر الجند دائرة من دروع وخوذات حرب/ ها هم الآن يقتربون رويداً . . رويداً/ يجيئون من كل صوب، والمغنون في الكعكة الحجرية ينقبضون/ وينفرجون/ كنبضة قلب/ يشعلون الحناجر/ يستدفئون من البرد والظلمة القارسة/ يرفعون الأناشيد في أوجه الحرس المقترب/ يشبكون أياديهم الفضة البائسة/ لتصير سياجاً يصد الرصاص” .

إلى أن يقول: “وتفرق ماؤك يا نهر حين بلغت المصب” . في عام 2011 كانت مياه النهر تصنع روافدها في الإسكندرية والسويس والمنصورة والإسماعيلية، لتصنع لحظة الانتصار، في حماية الجيش المصري، الذي أنقذنا من السيناريو الصيني، حين وقعت تحت أبصار العالم أحداث “ميدان القبة السماوي” الدامية، في يونيو/حزيران ،1989 إذ دهمت دبابات الجيش الصيني المعتصمين في الميدان، وأسقطت مئات القتلى من المطالبين بالحرية والديموقراطية .

كان اختياراً مثالياً أن ينتهي المتظاهرون الذين خرجوا من بيوتهم، في اتجاه “ميدان التحرير” لا أن يبدؤوا منه، كما كان يحدث في السالف، ففي أحد الشوارع التي تصب في الميدان يقع مبنى مجلسي الشعب والشورى “أحد أسباب الغضب” ومجلس الوزراء، ووزارة الداخلية، وعلى بعد خطوات يقف تمثال الشهيد عبدالمنعم رياض، الذي اغتاله الصهاينة بقنبلة فراغية أثناء جولة ميدانية له في خط الدفاع الأول، على مشارف قناة السويس، قبيل حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 .

على بعد أمتار أخرى من الميدان الذي يطالب الثوار بإطلاق اسم ميدان الشهداء عليه، يقف تمثال طلعت حرب، رائد الاقتصاد المصري، طاويا بين يديه خريطة طريق للأجيال الجديدة، ومن مبنى جامعة الدول العربية، على رأس نهر النيل، يمكنك أن تقطع عشرات الأمتار لتكون أمام مبنى التلفزيون المصري، الذي حاول الشباب احتلاله، لإذاعة بيانهم الثوري الأول، لكن دبابات الجيش كانت تسد الطريق إلى مواقع البث الهوائي، مثلما أخلت الساحة أمام المتحف الوطني من النهب والتخريب .

من ميدان التحرير كان المثقفون المصريون يقطعون الطريق إلى أماكنهم الخاصة، فهنا مقهى ريش، وخلفه زهرة البستان، وهنا مقهى الحرية، وهناك أتيليه القاهرة والجريون، كل الطرق تؤدي إلى ميدان التحرير، لكن شباب 25 يناير/كانون الثاني استبقوا الجميع إليه، فقط كان هناك قلة من المبدعين يداً في يد الشباب أثناء تفريقهم بخراطيم المياه وقنابل الغاز والرصاص، كان هناك “علاء الأسواني” الذي يقول إن مشاركته في الثورة وفرت له مادة أدبية ستظهر لاحقاً في أعماله، بينما اكتفى يوسف القعيد بوضع خده على يديه قائلاً: “شباب الميدان أحالوا جيلي إلى التقاعد، بعدما كان هذا الجيل يعتقد أنه يقوم بدور تنويري” .

وبعد أن استولى الشباب على عرش الميدان تدفق عشرات المثقفين فرادى وجماعات، وبعد أن أعلن عمر سليمان تنحي مبارك، وخروجه من قصر العروبة إلى شرم الشيخ في طائرة خاصة، امتلك الروائي الكبير بهاء طاهر شجاعة أن يرفض من ميدان التحرير “جائزة مبارك في الآداب”، التي حصل عليها في عام ،2009 مثلما انتظر الناقد د . جابر عصفور أن يخبط الوزير أنس الفقي على الترابيزة ويقول له: “هذه حكومة الحزب الوطني” حتى يستقيل بعد نحو أسبوع نحو الاستوزار .

استعادة الروح

في ميدان التحرير استعاد الشعب المصري روحه التي سرقت تدريجياً، فأطلق لسانه في حق ظالميه، أقام “حلقات الزار” لصرف العفريت من جسد مصر، واستعان بالساحر الهندي لتبليغ رسالته إلى الجميع، وكانت اللافتات في الميدان تترجم هذه الروح التي ظن الجميع أنها فقدت إلى الأبد، وفي إحدى الزوايا كان “حلاق الثورة” يقص شعر المرابطين في الميدان، في الوقت الذي ينادي فيه أحد الباعة الجائلين: “اشرب شاي التنحي”، ولذا أطلق تقرير أذاعته “بي .بي .سي” العربية على ما يجري في الميدان “الثورة الضاحكة” .

استعاد المصريون تراث سيد درويش والشيخ إمام وطردوا مطرب الجيل تامر حسني من الميدان، وقدموا أغانيهم السياسية الحديثة، وقصائدهم الخطابية، وتحت لافتة “فناني الثورة” كان التشكيليون يرسمون جدارية بطول عشرين مترا، وإلى جوارهم معرض لرسوم الكاريكاتير .

ثمرة كرنفالية، أطلقها خيال جديد، وبعد أن فشل النظام وقمعها بالرصاص، عاد إلى بدائيته الأولى، فأطلق الخيول والجمال والبغال والحجارة على الشباب، وعشنا لنرى اليوم الذي تصول فيه الجمال وتجول في ميدان التحرير، وتقام المتاريس في الشوارع المؤدية إلى قلب الثورة .

سيظل الميدان شاهداً على ولادة جيل جديد مختلف، فور إعلان تنحي مبارك، تحرك في كل الاتجاهات، ليعيد الميدان إلى صورته الأولى، نظفوا الجدران والشوارع، وأزالوا أطنان الحجارة والخيام، مثلما عملوا على تنظيف مصر، من قلب القاهرة، من وسط البلد، من ميدان التحرير، وكل هذا حدث في 18 يوماً، لكنهم دفعوا ثمن ما أرادوا، دماء الشهداء، التي يسعى بعض الفنانين لإقامة نصب تذكاري لهم في الميدان ذاته .