يتخذ الهدر أشكالاً متعددة بعضها يدل على سلوك عدواني، بل هو سلوك عدواني صرف يشير مباشرة إلى نوازع ضعيفة وربما مريضة . كيف يمكن، مثلاً، تفسير الإتلاف المتعمد لممتلكات عامة: كرسي في حديقة، أو لافتة في شارع، وأبعد من ذلك، أجهزة رادار في بعض المناطق، وكأن النوازع المذكورة تحتشد ضد المجتمع بأكمله؟
الالتفات إلى وجوه ظاهرة وخفية من الهدر والفساد واجب المؤسسات والأفراد، والغفلة عنها نوع بغيض من أنواع التقصير والاهمال .
في الأمثلة البسيطة لكن الدالة، يأتي مثال من يؤتمن على المال العام، ثم يذهب عامداً، وهو في كامل قواه العقلية، إلى ممارسة الاستغلال ما أمكن، وكما ان الاستيلاء على المال العام، أو تبديده، في النمط التقليدي المعلوم، جريمة يحاسب عليها القانون، فإن وجوه الهدر الأخرى، الأقل مباشرة ربما، جرائم متكاملة الأركان أيضاً، ولا يصح أبداً تجاوزها أو التهاون معها، كيف يستخدم الموظف مركبة تابعة للوزارة أو الدائرة؟ هل يستغلها في شغل الحكومة، وفي الغرض المخصص أم في غير ذلك؟ . . ماذا عن استخدام الوقود في هذا السياق وسياقات متصلة؟ . . كيف نستخدم الكهرباء والماء في الدائرة الحكومية وفي المرفق العام والمنزل؟ . . لماذا لا نستوعب عنوان الترشيد كما يجب، ولماذا لا نحول الشعارات البراقة في التنمية والبيئة المستدامتين إلى برامج قابلة للتنفيذ في الواقع؟
تلك وجوه فساد بعضها مرئي، وبعضها يختفي، للأسف، وراء تصرفات البعض ونوازعه، والقصد أن الهدر والفساد ليسا بالضرورة ما يتصل مباشرة بالمال العام، فالاستخفاف بالدوام هدر، وعدم الالتزام هدر، وعدم الإنتاج هدر مفزع ومروع . المطلوب أن نفهم المسألة هكذا، وأن نوصلها إلى مختلف المستويات الوظيفية والإدارية، تحت طائلة المراقبة والمساءلة .