|
|
روح لا تنام
يوسف أبو لوز
* دار الخليــج
النبوءات الشعرية أو تلك الحدوس والتوقعات التي كانت تسكن أرواح وقلوب شعراء الطليعة العربية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، ها هي تتحقق اليوم في أجزاء من الوطن العربي الذي يحركه الشارع بكل مكوّناته ومفرداته الشعبية من دون حاجة إلى ذلك القاموس “الثوري” المشبّع بخطاب أيديولوجي وحزبي ثبت أنه بلا فاعلية، وبلا تطبيقات عملية على الأرض . . هذه الأرض التي تنحني عليها الشعوب اليوم وتقترب أكثر فأكثر من حريتها وكرامتها بعد سنوات طويلة من الصمت والخوف .
حقاً، كسرت بعض الشعوب العربية حاجز الصمت وحاجز الخوف، ولكن بعد مرور وقت طويل قبل أن تُقدم على هذا القرار الذي يكلّف الكثير من الدماء، بروح معنوية عالية، وبإحساس عارم بالكرامة التي اتخذت في سنوات الرعب والانكسار أشكالاً من الانطواء والانسحاب .
هذه الروح الشعبية التي قد تغفو، ولكنها لا تنام، هي ذاتها الروح الشعبية التي كانت تضيء في أشعار عدد من جيل الرواد بوجه خاص، فقبل نحو نصف قرن من الآن، أمكن معاينة ما يشبه الظاهرة الأدبية التي جمعت شمل الكثير من الشعراء العرب، وتتمثل في ثيمات بعينها اشتغل عليها هؤلاء الشعراء مثل ثيمة الحلم، وثيمة الأمل، وفي الوقت نفسه حمل شعراء تلك المرحلة ومفكروها إلى جانب عدد من الروائيين، جذوة التفاؤل والإصرار عليها، على الرغم من حلكة التشاؤم المحيطة بالواقع العربي، خصوصاً بعد هزيمة 1967 وضياع كامل التراب الفلسطيني بعد حرب سريعة أحبطت فريقاً كبيراً من المثقفين العرب، وأوصلت بعضهم إلى الانهيار النفسي والثقافي، بل أقدم بعض الكتّاب العرب في فترات الظلام هذه على وضع حدّ لحياته، عن طريق الانتحار مثلما فعل الروائي الأردني تيسير سبول، والشاعر اللبناني خليل حاوي، وغيرهما ممّن غطّت أحلامهم سحب الرماد في زمن الهزيمة والإحباط .
اليوم، تعود الحياة إلى الشعوب، وتستيقظ كل الأفكار الشعرية التي محورها الأمل والحرية والحلم والتفاؤل، رغم مرور عشرات السنوات على هذه الاجتهادات الإبداعية التي صدق كل من تعلّق بها، وكذب كل من كان يكرّس ثقافة الخوف .
الشعر، أيضاً مثل روح الشعب، قد يغفو ولكنه لا ينام، وعندما يصحو أول ما يفعله هو طرد صنّاع ثقافة الخوف .