تضاريس من كسور عشرية

خيري منصور

* دار الخليـج






ما من وطن حقيقي ويستحق أن يكون نقيضاً للمنفى، يقبل القسمة على اثنين، وأحياناً في لحظات الخطر لا يقبل مثل هذه القسمة حتى على نفسه، فكيف تحولت تضاريس وطن واحد إلى كسور عشرية، وأية لوغاريتمات سياسية أو أيديولوجية تلك التي تؤدي إلى مثل هذا التشظي؟

كان العرب قبل الدخول إلى هذه الألفية ينسبون كل ما يجري لهم إلى التوأمين الإمبرياليين سايكس وبيكو، لكن خرائط هذين التوأمين أرحم مما يرسمه العرب أو يُرْسَم لهم من تضاريس سياسية، فالاثنان وعشرون قطراً قد تصبح خمسين أو سبعين، وإذا أصابتها جرثومة التذرّر، فقد تصل إلى رقم يعزّ علينا أن نقترب من ذكره .

أسابيع فقط تفصل بين تقسيم السودان الذي كرسه الاستفتاء ذو النتيجة التي لم يحلم بها حتى الزعماء المزمنون في الاستفتاء على تجديد صلاحيتهم، وبين ما يجري الآن في ليبيا، وقد تستمر المتوالية الحسابية لتشمل بلداناً مدرجة على القائمة .

يحدث هذا في زمن يكتب فيه الباحثون الاستراتيجيون العرب وغير العرب عن الأخطار التي تحدق بالدولة المنكفئة داخل حدودها، وفي زمن البحث عن سياقات سياسية أو اقتصادية أو ثقافية لالتئام منظومة من البلدان كي تقوى على الدفاع عن نفسها، والمسألة وثيقة الصلة بما كان يسمى حتى وقت قريب، الأمن القومي العربي .

لكن هذا المصطلح، شأن مصطلحات أخرى مثل الجامعة العربية، أصبح من الفولكلور السياسي .

وقد يصبح عما قريب من مقتنيات المتحف بجوار الهياكل العظمية للديناصورات، وما من أمة كالعرب تفرض عليها التحديات من كل الجهات حداً أدنى من الالتئام، كي لا نقول الوحدة التي تحول حلمها الأزرق إلى كابوس، وتحققت بالفعل لكن من خلال التماثل النسبي بين الدول في أدنى دخل قومي للفرد وأعلى خط فقر، وأقل مرتبة أكاديمية في سلم جامعات العالم، ونسبة أمية تنافس دولاً لا تزال تعيش على تخوم القرن العشرين .

ونخطئ حين نتصور أن التقسيم هو دائماً مفروض من الخارج، أو خاضعاً لأجندات المستعمر واستراتيجياته التي تلخصت طوال القرن الماضي في عبارة إنجليزية من كلمتين فقط، هي “فرّق - تَسُدْ” .

واستطاع بالفعل من نجح في التفريق أن يسود وتبعه في ذلك تلميذه النجيب في الاستيطان والإبادة وفلسفة الاقتلاع، وهو الكيان الصهيوني الذي يتغذى منذ ستين عاماً من هذا التشظي الذي يعانيه الوطن العربي .

ولأن عوامل التقسيم تتقاطع بين خارجي طامع وداخلي تحركه نرجسية مجنونة، فإن المصدات والعوائق التي حاولت الحدّ من هذه المتوالية الانشطارية أخفقت لأنها بقيت في نطاق رومانسي، وفي طيّات نشيد لا يقبل الترجمة من الشعر إلى التراب ومن الحلم إلى واقع .

ولكيلا نتعب أنفسنا والآخرين أيضاً، لن نقول إننا بحاجة إلى قراءة قرنين من الاستشراق والأدبيات الكولونيالية، إذ تكفي العودة عقوداً قليلة فقط إلى مذكرات بن غوريون، وما كتبه ساسة بريطانيون وفرنسيون في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، والذي افتضح عيّنات منه غارودي وتشومسكي وآخرون، حتى مذكرات هنري كيسنجر المشبعة بانطباعاته أثناء جولاته المكوكية في الشرق الأوسط في سبعينيات القرن الماضي تفتضح العوامل المحلية وشهوات الانفصال، لأن هناك من لا يتورعون عن مقايضة وطن بسعة قارة، بقريةٍ شرط أن يكون لهم صولجانها .

المطلوب الآن وفق هذه اللوغاريتمات السياسية غير المفهومة للعربي هو كسور عشرية تسمى أوطاناً، ولن تكون التكلفة باهظة، فهي مجرد أمتار قماش وفضائية ونشيد .